السعيد شنوقة
298
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
واستحله مكابرا في تحريمها مسندا إحلالها إلى معارضة آي الذكر الحكيم بما « يتوهمه من الخيالات ، فقد كفر ثم ازداد كفرا وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقول إنه كافر مكذب غير مؤمن . وهذا لا خلاف فيه » ثم أضاف : « فلا دليل على الزمخشري إذن على اعتزاله » « 1 » . ويتخذ من قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] دليلا سمعيا على نفي رؤية الله تعالى « فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات » « 2 » . وهو يجعل من قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [ آل عمران : 24 ] حجة للتعريض بأهل السنة بشيء من السخرية والاستهزاء مفضلا تسميتهم المشبهة والمجبرة والحشوية « 3 » . وكان الجاحظ يسميهم كذلك ، ويقصد أهل الحديث كما يسميهم النّابتة . وقد قال الزمخشري في الآية السابقة : « ذلك التولّي بسبب طمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت الحشوية والجبرية » « 4 » ، ولم يفت أحمد بن المنير أن يفهم تعريضه « 5 » بأهل السنة ، وباعتقادهم الذي يفوّضون فيه العفو عن الكبائر المقترفة من المؤمن الموحّد إلى مشيئة الله ولو مات مصرّا عليها إيمانا بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] .
--> ( 1 ) الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 400 وقد تكلم الخوارج في الفاسق الملّي ، وذهبوا هم والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة - ومنهم من قال والصغيرة - لا تجامع الإيمان أبدا بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام ، فقالوا : لأن الإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور ، فمتى اختل بعضه بطل كله كسائر المركبات . وكفرت الخوارج الفاسق لأنه ليس إلا مؤمن وكافر ، واعتقدوا أن عثمان وعليا وغيرهما عصوا ومن عصى فقد كفر ؛ فكفروا الخليفتين المذكورين وجمهور الأمة . أما المعتزلة القائلون بالمنزلة بين المنزلتين فأخرجوا الفاسق من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر . انظر ابن تيمية ، كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ، ج 12 ، ص 470 - ، 471 وانظر تفسير البيضاوي ، تحقيق عبد القادر عرفات العشا حسونة ، دار الفكر ، بيروت ، 1996 م ، ج 2 ، 22 وانظر الألوسي ، روح المعاني ، ج 15 ، ص 47 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 41 - ، 115 وكذا ج 1 ، ص 282 - 577 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 418 - 421 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 421 . ( 5 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 421 .