السعيد شنوقة

292

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

للزجاج تفسيره : أي ابتدعوها رهبانية كما تقول : رأيت زيدا ، وعمرا كلمت . وقيل : إنه معطوف على الرأفة والرحمة . والمعني على هذا : أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها ، وفيها قراءتان : فتح الراء وهي الخوف من الرهب . والثانية : ضم الراء منسوبة إلى الرهبان الذين حمّلوا أنفسهم المشقات ممتنعين عن المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع « 1 » . ورأى بعضهم أن عطف ( رهبانية ) على ما قبلها ؛ وبأن ( ابتدعوها ) نعت لها بمعنى : وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتعدة من عندهم ، أي : ووفّقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها « 2 » . ولا يقتصر المصنف على اعتماد الإعراب في إقرار الاعتزال ، وإنما سعى إلى الاستعانة بالأساليب في تعزيز مراده المذهبي من ذلك ما ذهب إليه في توجيهه لأسلوب النفي عند الآية : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ [ الكافرون : 2 - 4 ] . قال : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ : أي وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه : يعني : لم تعهد منّي عبادة صنم في الجاهلية ؛ فكيف ترجى مني في الإسلام ؟ « 3 » ، فقد حافظ على عدم اتّباع النبيّ لنبيّ سابق ؛ ولما كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد تعبّد الله في غار حراء قبل البعث والوحي ؛ وعليه ألا يكون الزمخشري قد أخلّ باعتقاد المعتزلة الذي يذهبون فيه إلى أنّ الناس كلهم متعبدون بمقتضى العقل بموجب النظر في آيات الله وأدلة توحيده ومعرفته ؟ وهل يمكن القول أن ذلك يحملهم إلى الظن برسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؟ « 4 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ، ج 17 ، ص 263 . ( 2 ) انظر تفسير أبي السعود ، ج 8 ، ص 213 . ( 3 ) الكشاف ، ج 4 ، ص 292 - 293 . ( 4 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 4 ، ص 292 - 293 .