السعيد شنوقة
287
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
أن الآية الكريمة تقتضي امتناع أن يشاء الله إيمان الخلق بصيغة الكلية لكنه شاء ممن آمن لا ممن كفر لأن مقتضى لو الامتناع عمد إلى تقدير مفعول ؛ فقال : ( ولو شاء ربك ) « مشيئة القسر والإلجاء » « 1 » ؛ وبهذا أحال أن يكون الله عز وجل قد أراد إيمان العباد كلهم على سبيل القسر ، وبأن المشيئة المرادة في الآية لم تقع « 2 » . وهو في قوله عز وجل : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [ هود : 86 ] يجعل البقية إلى الله من حيث إنها رزقه الذي يجوز أن يضاف إليه بينما يمنع أن يضاف الحرام إلى الله سبحانه أو أن يسميه رزقا ؛ لذا قال : « ويجوز أن يراد : ما يبقى لك من عند الله من الطاعات خير لكم كقوله : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [ الكهف : 46 ] ، وإضافة البقية إلى الله من حيث إنها رزقه الذي يجوز أن يضاف إلى الله . وأما الحرام فلا يضاف إلى الله ولا يسمى رزقا « 3 » . ومن هذا ما ذكره عند تفسير الآية : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] : « وإسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الذي يستأهل أن يضاف إلى الله ويسمى رزقا منه » « 4 » . ومعتقد أهل السنة هو أن لا خالق ولا رازق إلا الله لقوله تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [ فاطر : 2 ] ، وقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] فسّر إمام الحرمين معنى الرزق بأنّ كل ما انتفع به منتفع هو رزق له ، ولم يفرّق بين كونه متعديا بالانتفاع أو غير متعد به ؛ فلزم عنده على هذا الأصل أن يكون الغصب رزقا للغاصب إذا انتفع به ؛ ولئن كان المعتزلة قد استنكروه فإنه نصّ مذهبه على أساس أن كل منتفع بشيء مرزوق به « 5 » . وذهب ابن المنير في السياق نفسه إلى أنه إذا كان الرزق كل ما يقيم به العباد بنيتهم وجب دخول الحرام في هذا الإطلاق « 6 » .
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 254 . ( 2 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 254 . ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 286 - 357 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 132 . ( 5 ) انظر كتاب الإرشاد ، ص ، 146 وكذا محمد بن عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 51 . ( 6 ) انظر الإنصاف فيما يتضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 286 ، ص 357 .