السعيد شنوقة
28
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
مستوى ذلك فإنه يدل على أنه اجتهاد يوضّح غموض النص حينا ، ويعين معانيه حينا آخر ، أو يستنبط دلالة غير واضحة فيه آخر المطاف « 1 » . وهذا يبيّن أن التفسير مقارب في دلالته للتأويل وجزء منه ، غير أن الطبري لم يفرّق قبل هذا بينهما إلا أن غيرهما رأى تفرد كل من التفسير والتأويل بمعناه الذي يختلف به عن الآخر . وقد ذهب الزمخشري ( ت 538 ه ) إلى أن التأويل من الإيالة التي هي السياسة ، وعليه فإن المؤوّل كأنه يسوس الكلام ويضعه موضعه ويضعه فيه الوضع اللائق المؤتلف ، قال : « آل الرعية يؤولها إيالة حسنة وهو حسن الإيالة وائتالها وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم أي سائس محتكم » « 2 » وفي لسان العرب من الأول : الرجوع . آل الشيء يؤول أولا ومآلا رجع . وأول الشيء : رجعه ، وآلت عن الشيء ارتدت . ثم قال : « وأول الكلام وتأوله دبّره وقدّره وأوله وتأوّله : فسّره » « 3 » . وقال الشريف الجرجاني ( ت 740 ه ) : « والتأويل في الأصل الترجيح » « 4 » . وهو عند الزركشي ( ت 794 ه ) الكشف عن عاقبة الأمر وما تصير إليه العاقبة في المقصود به ، فهو من المآل والعاقبة والمصير . استوحى هذا من آي الذكر الحكيم التي استشهد بها . غير أنه ذكر مع ذلك أن بعضهم ربطه بالإيالة التي هي السياسة مثلما سبق . قال : « التأويل أصله في اللغة من الأول وقولهم : ما تأويل هذا الكلام ؟ أي إلى ما تئول العاقبة في المراد به ، كقوله عز وجل : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [ الأعراف : 53 ] أي تكشف عاقبته . ويقال آل الأمر إلى كذا أي صار إليه . وقال سبحانه : ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [ الكهف : 82 ] ، وأصله من المآل وهو العاقبة والمصير . وقد أوّلته فآل أي صرفته فانصرف ، فكأنّ التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني » ثم قال :
--> ( 1 ) انظر الحبيب شبيل ، من النص إلى سلطة التأويل : ( مقال منشور في منشورات كلية الآداب تونس ) ، المجلد الثامن 1992 ، ص 448 . ( 2 ) أساس البلاغة ، ( أول ) ص 12 . ( 3 ) لسان العرب ، أول ، ج 11 ، ص 33 . ( 4 ) التعريفات ، ضبطه وفهرسه محمد بن عبد الكريم القاضي ، دار الكتاب المصري ، القاهرة ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، ط 1 ، 1411 ه ، 1991 م ، ص 65 .