السعيد شنوقة

275

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الأساسية لأنه لا خالق إلا الله « 1 » . ولم تبلغ المسألة المذكورة عند المعتزلة هذا الحد بخاصة إذا علمنا أنهم أجروا معنى ( الخلق ) على ( التقدير ) « 2 » ؛ فلا مانع عندهم من إجرائه على الإنسان طالما أن معناه اللغوي هو التقدير ؛ وبهذا يجري الاصطلاح على حسب المعنى اللغوي : أن من وقعت منه أفعاله مقدرة على حسب الداعي والغرض المطلوب كان خالقا لفعله « 3 » . ومهما يكن من أمر فالمعتزلة جعلوا الإنسان مصدر الأفعال وخالقا ومبدعا لها وذلك ليكتمل قدر الفعل ، ولتصح مسئوليته ، ويصح العدل الإلهي . وهذا كله مرتبط عندهم بمعنى التكليف . ويرجع الزمخشري مرة أخرى إلى أصل من أصول الاعتزال في تفسير ( لعل ) بإرادة الشكر قال : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ : إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم « 4 »

--> ( 1 ) انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص ، 57 وإمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص 79 - 99 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 68 - 211 - 212 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 2 ، ص ، 68 وكذا د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 254 وما بعدها . ليست الدواعي سوى جنس من الاعتقاد والظنون والعلوم ؛ فلو حصل ذلك كله للإنسان ولم يحصل قادرا لما صح منه الفعل أبدا . ولو دعاه الداعي لأكثر ما يقدر عليه لم يصح منه إحداث الفعل لفقده القدرة على ذلك ؛ فأفعال القادر تقع حسب قدره وإن اختلفت دواعيه ، إن الإنسان جزء من الواقع وهو مخلوق مكلف فيه ويعدّ الواقع محل اقتداره وحريته الإنسانية في تضمينه ما يشاء ويريد ويختار ؛ يفعل عندما يقدر بحسب الدواعي والصوارف ، ويضمّن هذا الواقع قصوده ، ولا يفعل عندما يضمن هذا الواقع عدم اختياره وعدم احتياجه إليه . فهو بهذا الإقدام على الفعل ونفيه يؤكد على وجوده الذي هو فعل وخلق وقدر . ومن ثمة فالعلم بالفعل عند المعتزلة لا يكتفي بحيز التحقيق ، وإنما لا بدّ أن يتخصص بالإرادة ، ويتحقق بالقدرة لأن العلم والإرادة والاقتدار أصول الخلق عندهم ؛ فهم عدوا الإنسان مسؤولا عن أفعاله التي يختارها على الوجه الملائم له منها بعلمه وإرادته ويجعله ذلك أمام حقيقة أخرى مخلوقة مقدرة منه يستحق عليها المثوبة أو العقوبة أي تجعله مسؤولا عن أفعاله مستحقا للحكم الأخلاقي من خلال طبيعة الفعلية الحاصلة فيه التي تجعل أفعاله متعلقة به على وجه التقدير والخلق والإحداث . انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 255 وما بعدها . وهم اختلفوا في ( الخلق ) على ثلاثة فرق : لا يطلق بعضهم على الإنسان معنى فاعل وخالق لأننا منعنا من ذلك . وقال بعضهم : هو الفعل لا بآلة ولا بجارحة وهو مستحيل منه . وقال غيرهم : معنى ( خالق ) وقع منه الفعل مقدرا ومن وقع منه الفعل مقدرا فهو خالق له قديما كان أم حديثا . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 270 - 271 - ، 298 والإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 311 وما بعدها . وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 118 - 119 - ، 120 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 249 . ( 4 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 280 - 281 .