السعيد شنوقة

219

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الكريم لعيسى - عليه السلام - بأنه بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ آل عمران : 45 ] عده النصارى دليلا يحاجون به النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية تقرعهم على تمسكهم بما يحتمل التأويل « 1 » ثم نزلت الآية : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] لتفسر لهم ما تشابه عليهم بلفظ واضح لا لبس فيه ، ولا يحتمل التأويل ، ولترجعهم إلى الصواب والجادة « 2 » ، وهذا يبين أن الآيات الثلاث كلها من سورة آل عمران مدنية باتفاق . وهي تظهر اتفاق سبب النزول مع السياق ومع وجود النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وتبرز بداية الحوار والجدل مع أهل الكتاب نصارى ويهود « 3 » . ولما كان المحكم والمتشابه مرتبطا بالتأويل ، فإنها جميعا ارتبطت بالخلافات السياسية لذا يحسن تبيين خلاف المفسرين حول مسألتين متصلتين بهذا الأمر : الأولى : اختلافهم في تعريف المحكم والمتشابه . الثانية : اختلافهم في إمكان معرفة معنى المتشابه من خلال ما ينتج من إعراب قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [ آل عمران : 7 ] هل تعطف على ما قبلها أو تقطع وتعد مستأنفة ؟ قال الطبري : « المحكمات اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام ، ووعد ووعيد ، وثواب وعقاب وأمر وزجر وخبر ، ومثل وعظة وعبر ، وما أشبه ذلك » . وقيل : « المحكمات من آي القرآن المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام ، والمتشابهات من آية المتروك العمل بهن المنسوخات » ثم روى عن الربيع أن « المحكمات الناسخ الذي يعمل به ، والمتشابهات المنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن به » « 4 » .

--> ( 1 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 142 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ، ج 3 ، ص 177 - 178 . ( 3 ) انظر م ن ، ج 3 ، ص 177 - 178 - 179 - 180 - ، 181 وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 143 . ( 4 ) م ن ، ج 2 ، ص 170 - 172 - 173 . وروى القرطبي للنحاس قوله : أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [ طه : 82 ] . والمتشابهات نحو : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ -