السعيد شنوقة

21

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

نزل القرآن الكريم واضحا مبينا ، على أساس الفطرة والعاطفة ، ولكنه كان بحاجة إلى من يرجع إليه فيه ليشرحه ويبيّن مجمله ويقيد مطلقه ويؤوّل مشكله ، لأن الناس يتفاوتون في قدرات فهمهم له ولا يتساوون في الطاقة العقلية ولو كانوا صحابة رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - لأن الأمر يتعلق بأثر إلهي خصيب المعنى عميق الدلالة ، يطرح تفاوتا في الفهم والإدراك . وليس هذا من باب الطعن في القرآن الكريم « 1 » وإنّما المقصود أن الناس متفاوتون في الرقي العقلي تبعا للفطرة والاكتساب ، والمفيد في هذا السياق هو أن توضيح كلام الله على الحقيقة والقطع مهمة تولاها الله سبحانه بنفسه « 2 » لأنه لا يعلم مراد الله على الحقيقة والقطع إلا الله ، قال عزّ وجل على لسان عيسى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] ، فمهمة البيان القرآني أمر تعهّد الله عز وجل به في قوله : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [ القيامة : 19 ] ، وقوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ البقرة : 242 ] لكن لما كان الرسول مبعوثا بلسان قومه ليبيّن لهم نيطت به عن اللّه مهمة إبلاغ البيان الإلهي إلى الناس : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] ، وإن المنزل إلى الناس في ذاته بيان قال تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 138 ] ، وهذا يفسر أن من البيان ما قد يخفى على بعض الناس فيحتاجون إلى تبين البيان « 3 » ، ويوضح أن في القرآن الكريم مستويين من التفسير : تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة . والتفسيران كلاهما عن الله تعالى - قرآنا وسنة - لأنهما وحي منزل على رسول ، قال الله عز وجل : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] ، وقال : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ

--> ( 1 ) انظر ذ . مصطفى الضاوي الجويني ، منهج الزمخشري في تفسير القرآن ، ط 3 ، دار المعارف ، مصر ، ( د . ت ) ، ص 9 . ( 2 ) انظر د . عبد الحميد بن محمد ندا جعرابة ، المدخل إلى التفسير ، مكتبة الزهراء القاهرة ، ط 1 ، 1416 ه - 1996 م ، ص 141 فما بعدها . ( 3 ) انظر م ن ، ص 142 .