السعيد شنوقة
208
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الكافر في هذا الأصل وبين مجاهدة الفاسق . وقد بنوا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أدلة من السمع والكتاب والسنة والإجماع . أما في كتاب الله العزيز ، فمن قوله سبحانه : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 110 ] ، ودليل ذلك من السنة الشريفة قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل » . أما الإجماع فاتفاقهم عليه . وذهبوا إلى أن الأمر هو قول القائل لمن دونه افعل ، وبأن النهي قول القائل لمن دونه لا تفعل . أما المعروف فكل فعل عرف فاعله حسنه أو دل عليه ، والمنكر عرف فاعله قبحه أو دل عليه « 1 » . غير أن بعضهم قسم المعروف إلى واجب وغير واجب ، فالأمر بالواجب واجب والأمر بالنافلة نافلة . أما المنكر فمن باب واحد ويجب النهي عن جميعه وهو قسمان : عقلي وشرعي . العقلي : ما اندرج في العقليات كالظلم والكذب وما شابهها ، والنهي عنها جميعا واجب . والشرعي نوعان : الأول : كالسرقة والزنا وشرب الخمر ، لا تحتاج إلى اجتهاد ويجب النهي عنها في مختلف الأحوال وفي كل مقام . الثاني : يجتهد فيه ، وهو منكر لدى بعضهم وغير منكر عند الآخرين ؛ لذا ينظر في حال من يقدم عليه ؛ فإن كان يعد من الحلال الجائز عنده لم يجب النهي عنه . وإن كان مما لا يحل عنده ولا يجوز وجب النهي عنه ، وذلك كأن يجوز الحنيفة شرب المثلث أي الشراب المطبوخ الذي ذهب ثلثاه ، بيد أن هذا النوع من الشراب منكر عند الشافعية ، فليس للشافعي إذا رأى حنفيا يشربه أن ينكره وينهاه ، ولكن إذا رأى الحنفي شافعيا يشربه فإنه ملزم بنهيه وبالإنكار عليه « 2 » . وبين المعتزلة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهدف إلى حفظ المعروف وإبعاد المنكر ، وذلك بالعمل على عدم وقوعه مبرزين تحقق هذه الغاية من طريقين : الأول بالأمر السهل متى كان تحقيقه يتم كذلك ، لا يجوز العدول عنه إلى الأمر بالصعب وهو المقرر عندهم في العقول ، وأشار إليه قول الله عز وجل :
--> ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 84 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 88 - 89 ، وكذا الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 414 .