السعيد شنوقة

182

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

عباده . لقد أوضح اتفاق أكثر المعتزلة معه في أن الله عز وجل خلق المرض والعمى والصم والجنون المتولد عن فساد الدماغ والحدبة ، وهي جميعها مخلوقات حسنة لله تعالى ، غير أنها تنعت فيما بيننا بالنعت القبيح الرديء « 1 » . لكنه احتج بأنه لا فرق بين إلزام المعتزلة لنا أن الله تعالى أحسن الكفر والظلم والشر والمعاصي لأنهم ينزهون الله عن أن تضاف إليه وبينما أقروه في خلق الله الخمر والخنازير والدم والميتة وإبليس ومن قال : أنا إله من دون الله تعالى والأوثان المعبودة من دونه عز وجل والمصائب والعاهات كلها خلق له ، لأن كل ذلك قد حسّن الله خلقه إذ خلقه حركة أو سكونا أو تمييزا في النفس وسمي ظهوره من العبد قبيحا « 2 » . نفهم من هذا أن المعتزلة يفرّقون بين الشرور الطبيعية والشرور الأخلاقية . الأولى : من فعل الله في الطبيعة كالآلام والأمراض والكوارث . والثانية : من فعل الإنسان كالظلم والكفر والفسق وغيرها ، وليست هذه النوازل الطبيعية فسادا أو شرورا ولا قبائح لأن القبيح ما كان ضررا خالصا أو عبثا محضا ، وهو محال على الله عز وجل ، لهذا قالوا : يحسن من الله فعل الإماتة والإيلام ، تقع منه عز وجل على وجه لا تقبح عليه لعلة والعلة مفقودة في حقنا وهي تتضمن الاعتبار واللطف ، ويضمن الله في مقابلها الأعواض والعوض وجه حسن تلك الإماتة والإيلام ، فالله يعوض العبد مما لحقه من الآلام منه تعالى أو مما وقع بسبب أمره أو إباحته « 3 » .

--> ( 1 ) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 98 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 3 ، ص 99 . ( 3 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 12 - 13 - 164 - ، 165 اللطف : ما يختار المرء عند الواجب ويتجنب القبيح أو ما قرب من اختار الواجب أو ترك القبيح ، وقيل هو العناية الإلهية أو وجه التيسير إلى فعل الخير والطاعة وترك الشر والمعصية وهو ليس قسرا خارجيا مفروضا على الإنسان الفاعل بقدر ما هو تذكير بطاعة يعلم الله أن العبد يفعلها لا تخرج عنه متناول قدرته ، يكون نوعا من التوفيق والعصمة ، وهو هداية يغمر بها الله عباده معناه دلهم وبين لهم طريق الصواب . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 313 - 326 - ، 327 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 187 وما بعدها ، ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص ، 183 ومن مظاهر اللطف : أ - منح العقل للعباد باعتباره مناط التكليف إذ يتمكن الإنسان به من أول واجباته وهو النظر ومعرفة الله ، ومعرفة الحسن والقبح ، وشكر نعمة الله عز وجل ، وكل ما يلزم العبد من المعارف لدينه ودنياه . ب - التكليف وهو إخبار الغير بأن له أن يفعل أو لا يفعل تحقيقا للنفع أو دفعا -