السعيد شنوقة

178

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

و - وعدوا الحسن والقبح ذاتيين في الأعمال ، ولم يجيزوا بهذا على الله تعالى الكذب ، وقالوا بضرورة صدقه عز وجل لأن الصدق حسن في ذاته « 1 » . وذهبوا وفق هذا إلى نفي القدر ردا على الجبرية فإذا كان القائلون بالقدر آنذاك أرادوا نفي مماثلة الله تعالى للبشر على أساس أن النموذج البشري الذي كان مستقرا على أعلى قمة الهرم الاجتماعي ومركز الخليفة الأموي ، فإن القول ( بالعدل الإلهي ) يؤدي إلى الفصل بين صفاته وبين صفات البشر ، وهي قضية ملحة في تلك الظروف التي عرفت خلافات سياسية وارتبطت بأهداف اجتماعية وعملية كشفت حقيقة قرآنية هي نفي إلهين قديمين ، ومثّلت ردا على غالية الشيعة في تأليه الإمام علي - رضي الله عنه - ورجعته ، ودلت على خلفية سياسية تريد أن تقف أمام مبدأ ( الجبر ) الذي اتسم به نظام الأمويين الذي ذهب بعض المتكلمين بأنه كرّس أن الأوضاع اللاحقة بالعباد إنما هي قدر عليهم من الله تعالى فما لهم إلا قبولها بما فيها . ونحن لا نعتقد أبدا أن يقول الأمويون هذا ، وإنما هو قول غيرهم فيهم « 2 » . ويظهر نفيهم للقدر الذي أثبته الجبرية مما ذكره لهم المسعودي ( ت 346 ه ) « 3 » ، وفيما أوضحه غيره من أنه قد علم من العقل والسمع فساد ما

--> ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 3 - 15 - 21 - 28 وما بعدها ، وابن حزم ، الفصل من الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 82 وما بعدها . ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص ، 94 وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 105 وما بعدها ، ود . أحمد محمد الحوفي ، الزمخشري ، ص 137 وما بعدها . ويؤخذ على المعتزلة جعلهم الفعل ثابتا من جهة الحسن والقبح وفاتهم أن الفاعل غير ثابت ، فإذا كان الصدق حسنا فليس قائله مصيبا دائما والكذب في ذاته قبيح ولكن قائله غير مخطئ دائما ، ومنه وأد البنت فعل قبيح ، وقد ننسب لفاعله الشهامة والإباء في الجاهلية ، انظر زهدي ، جار الله ، المعتزلة ، ص 117 . ( 2 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 40 وما بعدها . ( 3 ) الله لا يحب الفساد ولا يخلق أفعال العباد ، بل يفعلون ما أمروا به ، وبأنه لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره وأنه ولي كل حسنة أمر بها بريء من كل سيئة نهى عنها ، لم يكلفهم ما لا يطيقونه ولم يرد منهم ما لا يقدرون عليه ، وأن كل مقدوراتهم بقدرة الله التي أعطاهم إياها ، وهو تعالى المالك لها ، ينفيها إذا شاء ويبقيها إذا أراد ، ولو شاء لجبر الخلق على طاعته ومنعهم اضطراريا عن معصيته غير أنه لا يفعل إذا كان في ذلك رفع للمحنة وإزالة للبلوى . انظر مروج الذهب ، ج 3 ، ص 276 - 277 وقال أبو الحسن شيث بن إبراهيم بن حيدرة ( ت 598 ه ) : ذهب الجبرية إلى أن الخلق مجبورون في طاعتهم كلها معتمدين على قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، بينما ذهب القدرية إلى أن -