السعيد شنوقة

156

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وإذا كان الجسم طويلا ، عريضا ، عميقا فلا يوصف به القديم تعالى . إن القول بأنه تعالى جسم معناه أنه محدث ، وقد ثبت أنه قديم ولا تخلو الأجسام من الحوادث ، وما لم يخرج عن خاصية الحوادث يلزم حدوثه . وينتج عن تماثل الأجسام استواؤها في استحقاق صفات الذات القدم والحدوث ، وعليه لو كان الله تعالى جسما لكان ما عداه من الأجسام قديما مثله « 1 » . ويؤكد المعتزلة إقرارهم في نفي المشابهة أو التجسيم عن الله تعالى بتأويل الآيات والأحاديث التي يوحي ظاهرها بالتجسيم والتشبيه أو يخالف أصل التوحيد الذي أقروه وشرحوه باعتماد طريق التفسير المجازي لما ورد في النصوص من صفات التجسيم الإلهية كالمحل والسمع والبصر والغضب والرضا والنزول والصعود والجهة والأعضاء . . . وما رافقها من التصورات العقدية مثل القضاء والقدر والجزاء « 2 » . وكان مقصدهم على وجه يطابق العقل بريئا هدف إلى الحفاظ على كلام الله وإضعاف رأي المشككين الطاعنين فيه ، ولم يقصدوا بهذا التوجه في التفسير أن يتنصّلوا من النقل أو ينزعوا منزع النقد الحر في فهم النص لأن هذا كما ذكر جولد زيهر لا يصدق في أقل تقدير على مدرستهم القديمة « 3 » . ومن الأمثلة التي نعرضها لهم في تأويل الآيات ردا على القائلين بالتشبيه والتجسيم من بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام التي فسّرت ( الاستواء ) في قوله عز وجل : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] بأنه القيام والانتصاب وهما من صفات الأجسام فيجب على هذا حسب رأيهم أن يكون الله تعالى جسما . غير أن المعتزلة يجيبون على ذلك مؤوّلين الاستواء بمعنى الاستيلاء والغلبة استنادا إلى المشهور من استعمالات لفظ الاستواء في اللغة وبذلك يربطون تأويل النص بالبحث اللغوي مستشهدين بقول الشاعر « 4 » :

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 149 - 150 وص 152 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 156 وما بعدها . جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ص ، 133 ود . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص 360 - ، 361 وزهدي جار الله ، المعتزلة ص 89 وما بعدها . وأحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 26 . ( 3 ) انظر مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 133 - 134 . ( 4 ) ذكره الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 297 : ( قد استوى عمرو على العراق . . . ) وفسّر الأكثرون من أصحابه الاستواء على الاستيلاء العائد إلى القدرة . وانظر محمد بن عبد العظيم الزرقاني ، مناهل -