السعيد شنوقة
140
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
أكثر المعتزلة يذهبون إلى أنهم يرون الله بقلوبهم بمعنى يعلمونه « 1 » ، وأنكر ذلك هشام بن عمرو الفوطي « 2 » وعباد بن سليمان « 3 » ، ووضعوا شروطا للرؤية هي شروط الرؤية الحسية . قال القاضي عبد الجبار : « يستحيل أن يرى الله في ذاته ، ولا يصح أن يرى بالأبصار لأن البصر لا يرى به إلا ما كان مقابلا له ، أو ما كان في حكم المقابل له » . وإن أصول دلالة المقابلة عندهم مبنية على أن الواحد منا راء بالحاسة وعلى « أنّ الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل » « 4 » ، وعلى أنّ القديم تعالى « لا يجوز أن يكون مقابلا ولا حالا في المقابل » « 5 » ، فالمقابلة أو ما في حكمها شرط للرؤية . ولما كانت المقابلة والحلول « تصحّ على الأجسام والأعراض ، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض ، فلا يجوز أن يكون مقابلا ولا حالا في المقابل ، ولا في حكم المقابل » « 5 » ، فلو كان الله تعالى مرئيا لنا لكنا رأيناه بالحاسة ، وكان يجب أن نراه على الشروط التي يرى بها غيره من المرئيات ، وهذا محال في جانبه عز وجل « 7 » . ولما كانت الرؤية إدراكا وراء العلم لا تتعلق إلا بالوجود « 8 » نفوها نفي استحالة مدللين على صحة قولهم بما جاء في قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] . فالآية تنفي الإدراك بالأبصار وواضح هاهنا أن الإدراك المقترن بالبصر يفيد ما تفيده رؤية البصر ، ولأن القول : « أدرك الإنسان شيئا » معناه رآه ببصره ، ولأن الإدراك كما ذكر القاضي عبد الجبار : « إذا قرن بالبصر فلا يحتمل إلا الرؤية ، وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك
--> ( 1 ) مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 289 . ( 2 ) هو هشام بن عمرو الفوطي ( ت 226 ه ) من أهل البصرة ، كان عالي المكانة عند العامة والخاصة . وهو آخر من ذكره ابن المرتضى من أهل الطبقة السادسة . انظر الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص ، 85 وابن المرتضى ، المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ، ص 35 . وزهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 143 . ( 3 ) عباد بن سليمان من أصحاب هشام الفوطي . وهو من الطبقة السابعة . انظر ابن المرتضى ، المنية والأمل ، ص 44 . ( 4 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 175 . ( 5 ) ، م ن ، ج 1 ، ص 175 . ( 7 ) انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 6 . ( 8 ) انظر زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 89 .