السعيد شنوقة

129

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وقد ذكرنا نص الزمخشري عند تفسيره سورة آل عمران « 1 » الذي ضمن ما قيل في فائدة المجيء بالمتشابه في القرآن الكريم ، والتي تتحدد في الدعوة إلى النظر والتأمل والتمعّن والتفكر والامتحان والابتلاء . والإنسان في كنف هذا يذعن ويسلم بما يحتاج إلى الإذعان والتسليم غير أنه يبحث ، ويجتهد في الذي يحتاج إلى الطلب والبحث . ولعل هذا هو الذي جعل التأويل يأخذ أهمية بارزة لدى المسلمين كلهم الأمر الذي أدّى إلى اختلاف مواقفهم فيه بين رافض له ، ومتساهل في اعتماده أو معتدل جمع بينه وبين المنقول أو أخذ بالمنقول أصلا دون أن يتعمق في المعقول . بنى المعتزلة فهمهم لنصوص القرآن الكريم على أصولهم الخمسة محتكمين إلى العقل الذي اعتمدوه أساسا لفهم الشريعة ، وعلى أن الشريعة مؤكّدة لما في العقول ومتفقة معه ، وغير دالة وحدها على وحدانية الله وعدله وسائر الأحكام العقلية « 2 » . تحرّزوا في الأخذ بالنقل ، وتأوّلوا ما رأوا ظاهره مخالفا للعقل ، ومنحوا العقل دورا أوليا سابقا على الشرع فصار الدليل السمعي تابعا للدليل العقلي وهو ما ظهر في قول القاضي عبد الجبار حين تعرّض للأدلة : « اعلم أن الدلالة أربعة : حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع » ثم قال : « ومعرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل ( . . ) وما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله » « 3 » . وقد قدّمه الزمخشري أيضا على الأدلة كلها ، ويبدو ذلك عند تفسيره قوله تعالى : وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ [ يوسف : 111 ] . قال : بأن العقل يحتاج إليه

--> - على الصغائر . وقال الأصم : المحكم نعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في التوراة والمتشابه نعته في القرآن . وقال بعض السلف الحروف المقطعة في ابتداء السور وما عداها محكمة . وقيل : المتشابه ما ورد عليه النسخ والباقي محكم . وقيل : المتشابه ما عسر إجراؤه على ظاهره كآية الاستواء . وقال الزجاج : الكل محكم إلا آيات القيامة . المنخول ، ص ، 170 وانظر تفسير القرطبي ( ت 671 ه ) ، ج 2 ، ص 9 وما بعدها . وكذا أبو حيان الأندلسي ( ت 754 ه ) ، البحر المحيط في التفسير ، ج 3 ، ص 22 ، 23 وقال الشوكاني ( ت 1250 ه ) : المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها والمتشابه ما احتمل أوجها . وقيل : المحكم الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه القصص والأمثال . إرشاد الفصول ص ، 65 ( 1 ) آل عمران : 7 . ( 2 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة ، ص ، 60 ( 3 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 40