محمد محمد أبو موسى
8
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
الأدبية ، ولكنها غير منتفع بها لأننا لم ننقلها إلى هناك ، والغريب أن كثيرا منا يدرسها في علوم القرآن ثم إذا بدأ يكتب ويفكر في الدراسة الأدبية تركها ولم يستصحبها معه ، مع أننا على يقين من أن نقل المعلومات من حقل من حقول المعرفة إلى حقل آخر له أثر كبير في هذه المعلومات وهذه المعارف ، وخصوصا إذا كانت مما تتلاءم مع الحقل الجديد ، وقد قدم لنا عبد القاهر نموذجا ناجحا لهذا الضرب من تحريك الأفكار وادخالها في حقول علمية جديدة ، وذلك حين كان ينقل كثيرا من أفكار سيبويه إلى البيئة البلاغية وقد رأينا هذه الأفكار تتسع وتصير خصبة وذات مذاق مختلف وآثار مختلفة . وحاول أن تستخرج مقولات سيبويه من كتاب « دلائل الاعجاز » وادرس كيف تأسس على اختصارها النحوي بسطا بلاغيا جيدا ، وكيف صارت فروعا ممتدة ومتنوعة . وكان أكثر علم المعاني راجع إلى هذه الجذور النحوية التي اهتزت وربت لما نقلت إلى تربة جديدة . وأرى أن كثيرا من مفاهيم علوم القرآن صالح لأن يكون فكرا أدبيا جديدا حين ينقل إلى حقل الشعر وسوف أعرض بعض المفاهيم التي تبدو بعيدة عن حقل الشعر وأنها من خصوصيات القرآن مثل موضوع « النسخ » وقد تخيرته لشدة بعده ، ومثل قولهم : القرآن يفسر بعضه بعضا ، وغير ذلك مما نشير اليه إشارات سريعة . وقبل الخوض في هذا أشير إلى أمر مهم وهو أننا نتفق غالبا في فهم المسألة ونختلف فيما تبعثه المسألة في نفوسنا من أفكار ، وصور وخواطر ، وهذا الاختلاف راجع إلى أحوال نفوسنا ، فهناك من تجد عندهم ميلا إلى المغامرات الذهنية ، وهناك من تجدهم يتحرجون في هذا ، أو يتحركون بخطوات وئيدة لا تحلق خيالاتهم ( في باب العلم ) الا بجناح مقصوص ، والمغامرات الذهنية في باب العلوم لا تختلف عن الآفاق الخيالية الرحبة في باب الفنون من حيث هو مجال للوثب الذهني ، والحركة العقلية الطموحة . ومن أهم ما يؤدى إلى اختلافنا وتنوعنا في تحريك الأفكار