محمد محمد أبو موسى

729

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وقوله تعالى : « فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ » « 108 » . . . إلى غير ذلك من الآيات الموهمة بظاهرها للأعضاء والجوارح . ثم يذكر العلوي تأويل المتكلمين لهذه الآيات وتأويل البلاغيين . أما المتكلمون فإنهم يؤولون هذه الظواهر تأويلات وان بعدت حذرا من مخالفة العقل ويعضدون تأويلاتهم بأمور لغوية فيذهبون إلى أن المراد باليد : النعمة ، وأن المراد بالعين : العلم . . إلى غير ذلك ، والعلوي لا يرضى بهذه التأويلات ويسم المتكلمين بالجهل بعلوم البيان ، فجاءت تأويلاتهم ركيكة يزدريها علماء البلاغة . ويقول في تأويل علماء البلاغة : « المجرى الثاني وهو الذي عوّل عليه علماء البلاغة ، والمحققون من هل البيان ، وهي أنها جارية على نعت التخييل فهي في الحقيقة دالة على ما وضعت له في الأصل ، لكن معناها غير متحقق ، وانما هو أمر خيالي ، فاليد مثلا دالة على الجارحة ، والعين كذلك ، لكن تحقق اليد والعين في حق اللّه تعالى غير معقول ، ولكنه جار على جهة التخييل ، كمن يظن شبحا من بعيد أنه رجل فإذا هو حجر ، ومن يتخيل سوادا أنه حيوان فإذا هو شجر . . . إلى غير ذلك من الخيالات . وقد وضّح هذا مرة ثانية بقوله في التفرقة بين تأويل المتكلمين وتأويل البيانيين : فأما علماء البيان فإنهم وضعوها على معانيها اللغوية في كونها دالة على هذه الجوارح ، لكنهم قالوا : ان الجارحة خيالية غير متحققة ، وذلك بخلاف المتكلمين الذين حملوها على تأويلات بعيدة واغتفروا بعدها حذرا من مخالفة الأدلة العقلية . وأفهم من هذا أن البيانيين يقولون : ان اليد دالة على يد خيالية ، وان الوجه دال على وجه خيالي ، وان العين دالة على عين خيالية ، وان الانسان يتخيل هذه الجوارح كما يتخيل الشبح البعيد انسانا فإذا هو حجر .

--> ( 108 ) الزمر : 56