محمد محمد أبو موسى

713

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ثم ثلث ب « السابقين » وهم أقل من المقتصدين ، فلا جرم ، قدم الأكثر ثم بعده الأوسط ثم ذكر الأقل آخرا لما أشرنا اليه ، ولو عكست هذه القضية فقدم السابق لشرفه على الكل ، ثم ثنى ب « المقتصد » لأنه أشرف ممن يظلم نفسه ، لم يكن فيه اخلال بالمعنى ، فلا جرم روعى في ذلك تقديم الأفضل فالأفضل ، ومما ينسحب ذيله على ما قررناه من الضابط قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً » « 46 » فقدّم حياة الأرض لأنها سبب في حياة الخلق ، فلأجل هذا قدمت لاختصاصها بهذه الفضيلة ، ثم قدّم حياة الأنعام على حياة الناس لما فيها من المعاش للخلق والقوام لأحوالهم . فراعى في التقديم ما ذكرناه ، ولو قدّم سقى الخلق على سقى الأنعام لاختصاصهم بالشرب ، وقدّم سقى الأنعام على الأرض لكان له وجه ، لأن الحيوان أشرف من غيره ، فكل واحد منهما مختص بفضيلة يجوز تقديمه لأجلها فلأجل هذا ساغ فيه الأمران كما ترى ، ومما نورده من ذلك قوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ » « 47 » وانما قدّم الماشي على بطنه لأنه أدل على باهر القدرة ، وعجيب الصنعة من غيره ، وثنى بمن يمشى منهم على رجلين لأنه أدخل في الاقتدار ممن يمشى على أربع ، لأجل كثرة آلات المشي ، فيكون التقديم على هذا من باب تقديم الأعجب في القدرة فالأعجب ، ولو عكس الأمر في هذا فقدّم الماشي على الأربع ثم ثنى بالماشى على رجلين ثم ختمه بالماشى على بطنه ، لكان له وجه في الحسن وعلى هذا يكون تقديمه من باب الأفضل فالأفضل » « 48 » . وهذا مأخوذ من المثل السائر وقد نظر ابن الأثير إلى ما ذكره الزمخشري في هذه الآيات وأخذ تحليله لها وبيان سر التقديم فيها وأضاف إلى كلام الزمخشري : أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصا بصفة

--> ( 46 ) الفرقان : 48 ، 49 ( 47 ) النور : 45 ( 48 ) الطراز ج 2 ص 73 ، 74 ، 75