محمد محمد أبو موسى

689

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قُلِ اللَّهُ ، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » « 184 » ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود بمخالفة حروف الجر هاهنا ، فإنه انما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض حيث شاء ، وصاحب الضلال كأنه منغمس في ظلامه ، مرتبك فيه ، لا يدرى أين يتوجه ، وهذا معنى دقيق يراعى في الكلام » « 185 » . وقد فات الأستاذ الفاضل أن هذا التحليل منقول من كتاب الكشاف وأنه لا يصح أن يكون دليلا على قدرة ضياء الدين على التحليل وتقصى المعاني « 186 » . ويقول الأستاذ الفاضل في موضع آخر : « ويعتمد التعبير الفنى على التخييل لرسم الصور في الذهن ، ويثير الخيال في العبارة عناصر مختلفة تعتمد على الألفاظ وجرسها وايحائها وظلالها ، وأشار ضياء الدين في غير موضع إلى دور الألفاظ في التخييل ومثاله ما قاله في بعض صيغ الأفعال مثل قوله في الفعلين الماضي والمستقبل : ولكنه في المستقبل أوكد وأشد تخييلا لأنه يستحضر صورة الفعل حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه ، ومنه مثل قول تأبط شرا في بيتين : بأنّى قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يبصرهم إياها مشاهدة للتعجب من جراءته على ذلك الهول ، ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا : « فأضربها » ، يخيل للسامع أنه يباشر الفعل ، وأنه قائم بإزاء الغول وقد رفع سيفه ليضربها » « 187 » .

--> ( 184 ) سبأ : 24 ( 185 ) ضياء الدين ابن الأثير وجهوده في النقد ص 119 . ( 186 ) ينظر الكشاف ج 3 ص 459 . ( 187 ) ضياء الدين ابن الأثير وجهوده في النقد ص 182 .