محمد محمد أبو موسى
680
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً » « 159 » فإنه لم يراع التقابل في قوله : « لِيَسْكُنُوا فِيهِ » و « مُبْصِراً » لأن القياس يقتضى أن يكون : والنهار ليبصروا فيه ، وانما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ . وهذا النظم المطبوع غير المتكلف لأن معنى قوله « مُبْصِراً » : لتبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات » « 160 » . وهذا مأخوذ من قول الزمخشري : « فان قلت : ما للتقابل لم يراع في قوله : « لِيَسْكُنُوا فِيهِ » و « مُبْصِراً » حيث كان أحدهما علة والآخر حالا ؟ قلت : هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف لأن معنى « مُبْصِراً » : ليبصروا فيه طرق التقلب في المكسب » وأحسب أن قول ابن الأثير : « وهذا النظم المطبوع غير المتكلف » محرف ، وصوابه : « وهكذا النظم المطبوع » كما في الكشاف . ويقول ابن الأثير : « واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة نظر ، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور ، وبالإعجاز من الأبيات الشعرية ، فمما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » « 161 » ، وقوله تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » « 162 » ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى ب « يَعْلَمُونَ » والآية التي قبلها ب « يَشْعُرُونَ » وانما فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك . وأما النفاق وما فيه من البغى المؤدى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبنى على العادات معلوم عند الناس خصوصا
--> ( 159 ) النمل : 86 ( 160 ) المثل السائر ج 3 ص 163 ( 161 ) البقرة : 11 ، 12 ( 162 ) البقرة : 13