محمد محمد أبو موسى

638

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ومن الواضح أن الزمخشري ذكر القيمة البلاغية لهذا الفن وسر تأثيره وأفاض في هذا ، ولكن ابن الأثير حاول أن يغمطه هذا الحق ، فذكر بعض كلامه ، وناقشه فيه ، ورفضه ، ولكنه لم يلبث أن رجع اليه فأخذ منه تحليلاته الفنية الفذة . يقول ابن الأثير : « وقال الزمخشري رحمه اللّه : ان الرجوع من الغيبة إلى الخطاب انما يستعمل للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع ، وايقاظا للاصغاء اليه ، وليس الأمر كما ذكره الزمخشري لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن الا تطرية لنشاط السامع وايقاظا للاصغاء اليه ، فان ذلك دليل على أن السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع ، وهذا قدح في الكلام لا وصف له ، لأنه لو كان حسنا لما مل » « 3 » . وليس ايقاظ السامع واثارته وتجديد نشاطه دليلا على عيب الكلام وقدحه كما يزعم ابن الأثير ، ولم يقف الزمخشري عند هذه العلة وحدها ، بل ذكر أن مواقعه تختص بفوائد ، وذكر لها أمثلة وشواهد ، وقد أحسن ابن أبي الحديد حين رفض هذا الاعتراض وذكر أن الملال لا يكون الا من الحسن المستعذب ، وأنهم يستقبحون قول من يقول : قد مل المحبوس من الحبس ، والمضروب من الضرب « 4 » . ثم يقول ابن الأثير : « ولو سلمنا إلى الزمخشري ما ذهب اليه لكان انما يوجد ذلك في الكلام المطول ، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك ، لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع كثيرة من القرآن ، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظ أو أقل من ذلك » « 5 » .

--> ( 3 ) المثل السائر ج 2 ص 171 ، 172 ( 4 ) ينظر كتاب الفلك الدائر على المثل السائر ، ملحق بهذا النبأ ج 4 ص 24 ، 25 ( 5 ) المثل السائر ج 2 ص 177