محمد محمد أبو موسى
618
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
الأنفس وتمزيق الأعراض ، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم ، وأولها ، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذالون لها دونه ، والعدو أهم شئ عنده أن يقصد أعز شئ عند صاحبه ، هذا كلامه وهو حسن دقيق ، لكن في جعل « وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ » عطفا على جواب الشرط نظر لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارا حاصلة وان لم يظفروا بهم فلا يكون في تقيدها بالشرط فائدة ، فالأولى أن يجعل قوله : « وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ » عطفا على الجملة الشرطية ، كقوله تعالى : « وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ » « 75 » . وقد أشار سعد الدين إلى ترجيح وجهة الزمخشري وبيّن أن كل واحد من المعطوفات في هذه الجملة يصح أن يكون جزاء . وذلك لأن المراد اظهار ودادة الكفر ، واستيفاء مقتضياتها ، ولا شك أنه موقوف على الظفر بهم ، وكذلك المراد اظهار كونهم أعداء ، والا فالعداوة حاصلة ظفروا أو لم يظفروا « 76 » . وقد يرفض الخطيب وجهة السكاكى في بيان بعض الأسرار ، ويأخذ فيها برأي الزمخشري ، يقول : « ومما عد السكاكى الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى : « وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ، قالَ ما خَطْبُكُما ، قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما » « 77 » والأولى أن يجعل لاثبات المعنى في نفسه للشيء على الاطلاق كما مر ، وهو ظاهر قول الزمخشري فإنه قال : ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ألا ترى أنه رحمهما لأنهما كانتا على الذياد ، وهم على السقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل ، مثلا ، وكذلك قولهما « لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ » المقصود منه السقي لا المسقى » « 78 » .
--> ( 75 ) بغية الايضاح ج 1 ص 197 - والآية من سورة آل عمران : 111 ( 76 ) ينظر المطول ص 116 ( 77 ) القصص : 23 ، 24 ( 78 ) بغية الايضاح ج 2 ص 10 ، 11