محمد محمد أبو موسى
600
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يكون من الجانبين كالذي بين الأمام والخلف بحكم العقل أو بين طول القامة وطول النجاد ، بحكم الاعتقاد ، ظهر لك أن مرجع علم البيان اعتبار هاتين الجهتين : جهة الانتقال من ملزوم إلى لازم ، وجهة الانتقال من لازم إلى ملزوم . . . وإذا ظهر لك أن مرجع علم البيان هاتان الجهتان علمت أن انصباب علم البيان إلى التعرض للمجاز والكناية ، فان المجاز ينتقل فيه من ملزوم إلى لازم . . . وان الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم . وقد شعر السكاكى بما في هذه الطريقة التي حدد بها أبواب علم البيان من التكلف والتجشم فقال وكأنه يعتذر : « والمطلوب بهذا التكلف هو الضبط » . [ في تقسيم البلاغة : ] ومن الواضح أن دراسة أهل خوارزم للبلاغة العربية دراسة ذات خصائص متشابهة ، وأن تقسيم البلاغة إلى علمي المعاني والبيان لم يظهر ولم يتم الا في هذه البيئة . وبحث المفتاح وان كان امتدادا لهذا الاتجاه فقد أخذ طابعا واضحا ميزه عن البحوث الأخرى التي نهض بها رجال هذه البيئة . فإذا كانوا جميعا يعنون ببحث الجملة وصياغتها كما يعنون بدراسة صور البيان ، فان السكاكى قد شغل بهذا ، الا أن دراسته كانت علمية ومحددة وجافة أو هي استنتاجات عقلية وتقنين منطقي لما استطاع ادراكه من كلام أئمة ثلاثة عرفتهم بيئته ، وهم : عبد القاهر الجرجاني ، ومحمود بن عمر الزمخشري ، وابن الخطيب الرازي ، ولعل هؤلاء هم الأصحاب الذين يذكرهم كثيرا في كتابه . وقد سارت الدراسة البلاغية في هذه البيئة في مراحل ثلاث كما أتصور : المرحلة الأولى : كانت جهودا نظرية مرتبطة ارتباطا كاملا بالنص الأدبي وذلك واضح في كتابي عبد القاهر الجرجاني والمرحلة الثانية : كانت جهودا تحليلية تطبيقية تنفذ من خلال النص إلى مس القواعد والأصول أو تحديدها وذلك واضح في دراسة الزمخشري في الكشاف .