محمد محمد أبو موسى

589

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

فذكر بعد ما أنث في قوله « واحِدَةٍ » ، « مِنْها زَوْجَها » ذهابا إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها فكان التذكير أحسن طبقا للمعنى » « 72 » . وقد يذكر الطباق بمعنى لا يبعد كثيرا عن معنى اللف الذي سبق ذكره ، يقول في قوله تعالى : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » « 73 » : « فان قلت : ما معنى « ثم » ؟ قلت : ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال كما تقول : هي محكمة أحسن الاحكام ، مفصلة أحسن التفصيل ، وفلان كريم الأصل ، ثم كريم الفعل ، و « كِتابٌ » خبر مبتدأ محذوف ، و « أُحْكِمَتْ » صفة له ، وقوله « مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » صفة ثانية ، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ، وأن يكون صلة ل « أُحْكِمَتْ » و « فُصِّلَتْ » ، أي من عنده احكامها ، وتفصيلها ، وفيه طباق حسن لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها - أي بينها وشرحها - خبير عالم بكيفيات الأمور » « 74 » . والفرق بين هذه الآية وآية : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » « 75 » التي ذكر أنها من اللف أن الأوصاف هناك لموصوف واحد هو المولى عز وجل ، فهو لا تدركه الأبصار وهو اللطيف ، وهو الذي يدرك الأبصار وهو الخبير ، وهنا الاحكام والتفصيل وصفان للكتاب ، والحكيم والخبير وصفان للمولى عز وجل ، وكان الطباق لأن الكتاب المحكم المفصل من عند حكيم خبير ، وقد يذكر الطباق بمعنى مراعاة تلاؤم الألفاظ ووقوعها في مواقعها ، وقد يبدو من مظاهر التعبير ما يخالف هذا الأصل أي تبدو الكلمات وكأنها متباعدة ، وحينئذ يحاول الزمخشري أن يكشف تطابقها المعنوي مشيرا إلى أن المطابيع هم الذين يراعون طباق المعاني . يقول في قوله تعالى : « وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ » « 76 » : « فان قلت : هلا قيل : على قلوبنا أكنة ، كما قيل :

--> ( 72 ) الكشاف ج 2 ص 145 ( 73 ) هود : 1 ( 74 ) الكشاف ج 2 ص 296 ( 75 ) الأنعام : 103 ( 76 ) فصلت : 5