محمد محمد أبو موسى

578

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

والمشاكلة في قول تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي » وفي قول أبى تمام : ذكر الشيء بلفظ غيره المقدر ذكره ، لأن قولهم : أما يستحى رب محمد ؟ غير مذكور في الكلام ، وكذلك بناء المنزل إذ التقدير : أنى بنيت الجار قبل بناء المنزل ، وقول الشاهد : انها لم تجعد عنى ، فيه مشاكلة بذكر ضد اللفظ المذكور ، لأن التجعيد هنا معناه امتناع الشهادة وتأبيها عليه . وصح ذلك لأن القاضي ذكر السبوطة في ضد ذلك ، فشاكل الشاهد بذكر ضد ما ذكر القاضي . وهذا الذي ذكره الزمخشري يكاد يكون بلفظه في الايضاح « 14 » . ويقول الزمخشري في قوله تعالى : « صِبْغَةَ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً » « 15 » : « وهي فعلة من « صبغ » كالجلسة من « جلس » ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى تطهير اللّه . لأن الايمان يطهر النفوس ، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون : هو تطهير لهم ، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قالوا : الآن صار نصرانيا حقا ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم : قولوا آمنا باللّه وصبغنا اللّه بالايمان صبغة لا مثل صبغتنا ، وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا ، أو يقول المسلمون : صبغنا اللّه بالايمان صبغة ، ولم نصبغ صبغتكم ، وانما جئ بلفظ « الصبغة » على طريقة المشاكلة كما يقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرام » « 16 » . والمشاكلة هنا بين قول وفعل لأن الغرس لم يجر ذكره تحقيقا ولا تقديرا كما في الأمثلة الأخرى « 17 » . وقد نقل الخطيب هذا النص وجعله من القسم الثاني من المشاكلة وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تقديرا ، لأن لفظ « الصبغ » لم يقع من النصارى « 18 » .

--> ( 14 ) تنظر بغية الايضاح ج 4 ص 23 ( 15 ) البقرة : 138 ( 16 ) الكشاف ج 1 ص 147 ( 17 ) تنظر حاشية الشهاب ج 2 ص 248 ( 18 ) بغية الايضاح ج 4 ص 24