محمد محمد أبو موسى
55
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد يكون الزمخشري أكبر أبناء أبيه لأنه يذكر شبابه وضعف أطفاله ، والزمخشري فتى يكتب للأمراء في شأن أبيه فليس طفلا كاخوته « 9 » وقد ذكر أن والده مات وهو شاب ، وأن مما قراه حسرة وأسى أنه لم يكن في صحبة والده في تلك اللحظات التي فارق فيها الدنيا ، والتي كان ظمأ فيها للقاء والده ، ولعل الزمخشري كان مشغولا في طلب العلم ، فقد كان كثير الفراق لوالده ، وكان يشكو هذا الفراق المتقطع فما باله بهذا الفراق الدائم . وقد كنت أشكو فراقّا قبل منقطعا * وكيف لي بعده بالعيش منتفع ونستطيع أن نتصور من شعر الزمخشري أن والده كان رجلا صافي النفس ، نفى السريرة ، مهذب اللفظ ، مفطورا على الخير ، منصرفا إلى ما فيه رضا اللّه ، راغبا عن الدنيا ، بكاء ، كثير التذكر ، كريما ، فاضلا ماجدا . يقول الزمخشري في رثائه : فقدته فاضلا فاضت مآثره * العلم والأدب المأثور والورع أخا طباع مصفّاة مناسبة * ماء السّحابة ما في بعضها طبع وذا حقائق لا في لحظة طلب * لغير رشد ولا في لفظه قذع لم يأل ما عاش جدّا في تقاه يرى * إنّ الحريص على دنياه منخدع « 10 » وكانت أمه صالحة تقية ، وما يحكيه في سبب سقوط رجله يشعرنا بأنها كانت رقيقة القلب مهذبة الطبع ، وقد بكاها في شعره ، وتسلى بأنها في رضوان اللّه ورحمته ، فهي تناديه من عالمها وتقول : أبنيّ إنّى في الجنان مقيمة * أختال بين ظليلة الأفياء حرّ الجحيم رضا الرّحيم أعاذنى * منه وأنزلني مع الصّلحاء
--> ( 9 ) ديوان الزمخشري ورقة 97 . ( 10 ) ديوان الزمخشري ورقة 72 .