محمد محمد أبو موسى
523
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ثم خاس بضمانه فيها ، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب وما جاء القرآن الا على طرقهم ، وأساليبهم ، من ذلك قولهم : لو قيل للشحم أين تذهب ؟ لقال : أسوى العوج ، وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات ، وتصور مقاولة الشحم محال ، ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحة كما أن العجف مما يقبح حسنه فصور أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع وهي به آنس ، وله أقبل وعلى حقيقته أوقف ، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها ، وثقل محملها ، والوفاء بها ، فان قلت : قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأى واحد : أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، لأنه مثلت حاله في تميله وترجحه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضى في وجهه وكل واحد من الممثل والممثل به شئ مستقيم داخل تحت الصحة ، والمعرفة ، وليس كذلك ما في هذه الآية فان عرض الأمانة على الجماد ، وإباءه واشفاقه ، محال في نفسه غير مستقيم فكيف صح بناء التمثيل على المحال ، وما مثال هذا الا أن تشبه شيئا والمشبه به غير معقول ؟ قلت : الممثل به في الآية ، وفي قولهم : لو قيل للشحم أين تذهب ، وفي نظائره ، مفروض ، والمفروضات تتخيل في الذهن كما في المحققات ، مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله ، بحاله المفروضة ، لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها » « 171 » . ويقول الشهاب معلقا على هذا : « ومنه ظهر أن التخييل تمثيل خاص والتصوير لا ينافي كونه تمثيلا . . . وهذا أبسط موضع حقق المصنف فيه التمثيل فليحذ على مثاله » « 172 » . ويلخص الشهاب استعمالات التخييل ، فيقول : « التخييل له استعمالات كما ذكره الشريف في حواشي شرح المفتاح حيث قال : انه يطلق
--> ( 171 ) الكشاف ج 3 ص 446 . ( 172 ) حاشية الشهاب ج 7 ص 187 .