محمد محمد أبو موسى
503
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وكلام الزمخشري في الترشيح مشعر بأن هذا الفن من أبلغ الفنون البلاغية ان لم يكن أبلغها ، وأنه حين يقع موقعه لا نجد كلاما أحسن منه ، ولا أكثر ماء ورونقا ، وأنه من الصنعة البديعية التي يبلغ المجاز معها الذروة العليا ، يقول في قوله تعالى : « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » « 95 » : « فان قلت : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة ؟ قلت : هذا من الصنعة البديعية التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز ، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات ، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماء ورونقا ، وهو المجاز المرشح ، وذلك نحو قول العرب في البليد : كأن أذني قلبه خطل ، فقد جعلوه كالحمار ، مشاهدة معاينة ونحو : ولما رأيت النّسر عزّ ابن داية * وعشّش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر ، ونحو قول بعض فتاكهم في أمه : فما أمّ الرّدين وإن أدلّت * بعالمة بأخلاق الكرام إذا الشيطان قصّع في قفاها * تنفقناه بالحبل التّوام أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم ، إذا مردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها ، وإماطة ما يسوء من خلقها ، استعار التقصيع أولا ثم ضم اليه التنفق ، ثم الحبل التوام ، فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ، ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه اليه تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته » « 96 » .
--> ( 95 ) البقرة : 16 ( 96 ) الكشاف ج 1 ص 53 - 54