محمد محمد أبو موسى
50
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
بعد شئ وحالا بعد حال وكأن السامع محاضر تلك الحال يسمعها » . فبناء كلمة « يسبحن » هنا يحول السامعين نظارة يحضرون ويشهدون ، وتسبيح الجبال يملأ أسماعهم بأنغامه في محضر داود صاحب المزامير . ولا شك أن هذا مشهد معجز وأن احضاره بالكلمة في منزلة اعجازه بخرق العادة - أعنى تسبيح الجبال . ويقول في قوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ » « 15 » : « فان قلت : فلم جاء « فتثير » على المضارع دون ما قبله وما بعده ؟ قلت : ليحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية ، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك كما قال تأبط شرا : بأنّى قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرت * صريعا لليدين وللجران لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول وثباته عند كل شدة » ولهذا الذي ذكره في صيغة المضارع يعدل إليها القرآن في بيان تفظيع مواقف اليهود من أنبيائهم حيث يقول : « فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ » « 16 » فعدل إلى المضارع « لأن القتل فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب » . وقد نقل ضياء الدين بعض هذه النصوص وسكت عن نسبتها إلى صاحبها وعلق عليها باحث معاصر وذكر أنها مما يدلنا دلالة قوية على قدرة ابن الأثير ونفاذ حسه « 17 » ، ولو رحت أذكر ما يروق
--> ( 15 ) فاطر : 9 ( 16 ) البقرة : 87 ( 17 ) ينظر كتاب : ضياء الدين بن الأثير وجهوده في البلاغة والنقد للدكتور محمد زغلول سلام طبعة دار المعارف .