محمد محمد أبو موسى

491

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

نرى في كلام الزمخشري ما يوهم عدم مراعاة هذه الفروق ، حيث يطلق المجاز على صورة التشبيه البليغ في قوله تعالى : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » « 55 » يقول : « فيها مواضع حرث لكم ، وهذا مجاز شبههن بالمحارث ، تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور » « 56 » . وقد تردد العلماء في تفسير كلامه هذا ، لأنه وضع رأيه في مثل « زيد أسد » ، وأنه من التشبيه ، فكيف يطلق المجاز على مثله ، فقالوا : ان المجاز باعتبار اطلاقه الحرث على موضع الحرث ، أو باعتبار تغير حكم الكلمة في الاعراب بسبب حذف المضاف ، كما في « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » « 57 » أو باعتبار حمل المشبه بعد حذف الأداة ، كما في « زيد أسد » ، فكثير ما يقال له المجاز ، وقد قالوا أيضا : ان المراد بالمجاز هنا الاستعارة بالكناية ، لأن جعل النساء محارث دلالة على أن النطف بذور ، وقد أشار إلى ذلك بقوله : تشبيها لما يلقى في أرحامهن بالبذور ، وقد اعترض على هذا بأن الاستعارة بالكناية يذكر فيها المشبه صريحا ، والمشبه به مكنيا ، وهنا لم يذكر المشبه صريحا ، نعم يستقيم هذا الرأي لو كان النص : نساؤكم حرث لنطفكم ، ولو قيل : ان الحرث يدل على البذور دلالة قوية تجعله في حكم الملفوظ ، كما جنح اليه من جعله استعارة مكنية ، لكان هذا قسما من المكنية ، لا يذكر فيه الطرفان وهو غريب ، وذهبوا إلى أنه تمثيل على سبيل الكناية ، والقوم قد أغفلوا هذا النوع وبيانه هنا أنه تشبيه مترتب على تشبيه متروك ، وهو تشبيه النطف بالبذور ترتب اللازم على الملزوم « 58 » . ولست أجد مبررا لهذه التفسيرات ولعل أقربها إلى الحق هو القول بأنه أطلق المجاز هنا باعتبار حمل المشبه به على المشبه ، فيكون

--> ( 55 ) البقرة : 223 ( 56 ) الكشاف ج 1 ص 202 ( 57 ) يوسف : 82 ( 58 ) ينظر حاشية سعد الدين على الكشاف ( مخطوطة ) ورقة 13 وحاشية الشهاب ج 2 ص 308