محمد محمد أبو موسى
470
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
قوله تعالى : « وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » « 153 » : « من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ، ويشفع البشارة بالانذار ، إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف ، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف » « 154 » . وحينما يتابع الزمخشري كلمات الآيات بالنظر والتحليل نرى في هذه المتابعة لونا من الدراسة البلاغية الممتعة ، ونجد ذوقا ، وحسا نادرين ، نرفع صاحبهما إلى درجة الأفذاذ من المتذوقين ، ولا نجد كثيرا ممن يفضلون الزمخشري في هذا الباب مع شغفنا بتتبع هذا اللون من الدراسة وحرصنا على أن نقرأ ما نعثر عليه من تحليل النصوص تحليلا بلاغيا بصيرا ، سواء أكان هذا في شرح الدواوين والنصوص الأدبية القديمة ، أو كان عند المعاصرين ، ممن يتعرضون في أثناء دراسة النظريات النقدية إلى أنواع من التطبيق وضرب الأمثلة . أقول : ان الزمخشري من الأفذاذ المتذوقين في هذا الباب وله تحليلات ما استطاع الزمن الطويل ولا تطور الدراسات الأدبية أن يذهب شيئا من بهائها وزهائها . وقد ترى صدق هذه الدعوى في كثير من النصوص التي أثبتناها في المواضع المختلفة وقد يكون مسبوقا بتحليلات بلاغية لبعض النصوص القرآنية فيقع عليها ويكون جهده حينئذ تلخيصا لما كتب ، أو بسطا له ، مع إضافات يسيرة . ثم يشير إلى أنه لهذا الذي ذكر استفصح علماء البلاغة هذه الآية . يقول في قوله تعالى : « رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » « 155 » : « وانما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته . ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن . ووحد لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية ، وقصده إلى هذا أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد
--> ( 153 ) البقرة : 25 ( 154 ) الكشاف ج 1 ص 78 ( 155 ) مريم : 4