محمد محمد أبو موسى
460
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
شئ ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه وهي نعمة الدين ، فقدم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها وهو انعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحى اللّه رتبة ، وأعلاه منزلة ، وأحسنه في أبواب الدين أثرا ، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها ، وأخر ذكر خلق الانسان عن ذكره ثم أتبعه إياه ليعلم أنه انما خلقه للدين وليحيط علما بوحيه ، وكتبه ، وما خلق الانسان من أجله ، وكأن الغرض في انشائه كان مقدما عليه وسابقا له ، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير » « 125 » . وقد يكون ترتيب الجمل على أساس ما يعن للنفس من خواطر وأفكار فتقع الجمل مرتبة على وفق ترتيب هذه الخطرات . يقول في قوله تعالى : « ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ » « 126 » : « فان قلت : لم قدم الشكر على الايمان ؟ قلت : لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكرا مبهما ، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ، ثم شكر شكرا مفصلا ، فكان الشكر متقدما على الايمان ، وكأنه أصل التكليف ومداره » « 127 » . وقد يختلف ترتيب الآيات في الظاهر وهو في الحقيقة موافق لأحوال النفس وما يعرض لها في المواقف الصعبة من مشاعر وخواطر ، وللزمخشري كلام جيد في كشف تطبيق الآيات على وفق هذه الأحوال . يقول في قوله تعالى : « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ » « 128 » :
--> ( 125 ) الكشاف ج 4 ص 353 ( 126 ) النساء : 147 ( 127 ) الكشاف ج 1 ص 451 ( 128 ) الزمر : 56 - 59