محمد محمد أبو موسى

454

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

والخطب والقصائد لا آخر الجمل المنقطعة عما بعدها ، وعليه يكون الاعتراض في قوله تعالى : « وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ » « 100 » اعتراض في وسط الكلام لا في آخره وبالقياس على هذا يكون الاعتراض في : « وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ » ، منه . أي من الاعتراض في وسط الكلام فلا يصح أن يكون المذكور في آية « وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ » دليلا على مسلكه في الاعتراض كما ذهب الشارح العلامة ، وأنه يقع آخر الكلام ولكن المثالين المذكورين في كلامه يدلان دلالة واضحة على أن الاعتراض يكون في آخر الكلام . والجمل الاعتراضية - كما يقول الزمخشري - لا بد لها من الاتصال بالكلام الذي وقعت معترضة فيه لأنها مسوقة لتوكيده وتقريره ، يقول في قوله تعالى : « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ، مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ، قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ، نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ » « 101 » : « فان قلت : كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه ؟ قلت : قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود وذلك أن اللّه عز وجل منّ على عباده بانشاء الأنعام لمنافعهم باباحتها لهم ، فاعترض بالاحتجاج على من حرّمها ، والاحتجاج على من حرّمها تأكيد شديد للتحليل والاعتراضات في الكلام لا تساق الا للتوكيد » « 102 » . ثم إنه قد أشار إلى هذا وبين أيضا أن الاعتراض طريقة من طرق توكيد الكلام يقول في قوله تعالى : « وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا » « 103 » : « فان قلت : ما وقع هذه الجملة ؟ قلت : هي جملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم : والحوادث جمة ، فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته لأن من بلغ الزلفى عند اللّه أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته » « 104 » .

--> ( 100 ) البقرة : 19 ( 101 ) الأنعام : 143 ، 144 ( 102 ) الكشاف ج 2 ص 58 ( 103 ) النساء : 125 ( 104 ) الكشاف ج 1 ص 941