محمد محمد أبو موسى

450

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

لها . يقول : « فان قلت : ما فائدة تكرير قوله « فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » ؟ « 76 » قلت : فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين اذكارا واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا ، إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث ، وأن يقرع لهم العصا مرات ، ويقعقع لهم الشّن تارات ، لئلا يغلبهم السهو ، ولا تستولى عليهم الغفلة ، وهذا حكم التكرير كقوله : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » « 77 » عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن وقوله : « فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » « 78 » عند كل آية أوردها في سورة المرسلات وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في كل أوان » « 79 » . ويشير الزمخشري إلى نوع من التكرير في القصص القرآني - أعنى تكرير آية أو آيتين في كل قصة من قصص الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم كما في سورة الشعراء - حيث تختم كل قصة بقوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » « 80 » . والزمخشري يفسر هذا اللون من التكرار بقوله : فان قلت : كيف كرر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر ؟ قلت : كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها ، فكانت كل واحدة منها تدلى بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها ، وأن تختتم بما اختتمت به ، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وتثبيتا لها في الصدور ، ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم الا ترديد ما يراد تحفظه منها ، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب ، وأرسخ في الفهم ، وأثبت للذكر ، وأبعد من النسيان ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الانصات للحق وقلوب غفل عن تدبره فكوثرت بالوعظ والتذكير ، ورجعت بالترديد والتكرير ،

--> ( 76 ) القمر : 16 ، 17 وغيرها . ( 77 ) الرحمن : 13 وغيرها ( 78 ) المرسلات : 15 وغيرها ( 79 ) الكشاف ج 4 ص 249 ( 80 ) الشعراء : 8 وغيرها