محمد محمد أبو موسى
433
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ما بال ساقتى قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو ، والساقتان الوسيطان بالفاء ؟ قلت : وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله : « إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ » ، « ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » « 9 » فجىء بالفاء الذي هو السبب كما تقول : وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت ، وأما الأخيرتان فلم تقع بتلك المثابة ، وانما وقعتا مبتدأتين فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة » « 10 » . وقد يكون سقوط العاطف تخييلا باستقلال الجمل في معانيها كما قلنا ولتكون كل واحدة منها كأنها كافية في الغرض المسوق له الكلام . يقول في قوله تعالى : « الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ الْبَيانَ . الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ » « 11 » : « الرحمن : مبتدأ وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة ، واخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد ، كما تقول : زيد أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، كثرك بعد قلة ، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد ، فما تنكر من احسانه ؟ ! فان قلت : كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول ثم جئ به بعد ؟ قلت : بكت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التهديد ليكون كل واحدة من تلك الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه ، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه بتعديدها عليه في المثال الذي قدمته ، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف » « 12 » . ويذكر الزمخشري أن الجمل التي يقرر بعضها بعضا تتناسق من داخلها ويأخذ بعضها بعنق بعض ، وهذا التناسق الداخلي أقوى في
--> ( 9 ) هود : 81 ، 65 ( 10 ) الكشاف ج 2 ص 332 . ( 11 ) الرحمن : 1 - 6 ( 12 ) الكشاف ج 4 ص 353 .