محمد محمد أبو موسى

371

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ومنها الدعاء كما في قوله تعالى : « قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ » « 247 » قال : « دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به » « 248 » وقد يكون الدعاء بما علم أنه واقع لا محالة فيكون من باب اللجأ والضراعة إلى اللّه كما في قوله تعالى : « رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ » « 249 » ، فإنه من باب اللجأ إلى اللّه والخضوع له كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع له والملجأ الذي هو سيما العبودية « 250 » ومن الدعاء بما علم أنه واقع لا محالة ما كان من بعض الأنبياء عليهم السلام لما أفرغوا عظيم جهدهم في الدعوة وما وجدوا من أقوامهم الا اصرارا وعنادا كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : « رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ » « 251 » يقول : « فان قلت : ما معنى قوله « رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ » ؟ قلت : هو دعاء بلفظ الأمر كقوله « رَبَّنَا اطْمِسْ » ، « وَاشْدُدْ » وذلك أنه لما عرض عليهم آيات اللّه وبيناته عرضا مكررا ، وردد عليهم النصائح والمواعظ زمنا طويلا ، وحذرهم عذاب اللّه وانتقامه وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات الا كفرا ، وعلى الانذار الا استكبارا ، وعلى النصيحة الا نبوا ، لم يبق له مطمع فيهم ، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم الا الغى والضلال ، وأن ايمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة ، أو علم ذلك بوحي من اللّه ، اشتد غضبه عليهم ، وأفرط مقته وكرهه لحالهم ، فدعا اللّه عليهم بما علم أنه لا يكون غيره ، كما تقول : لعن اللّه إبليس ، وأخزى اللّه الكافر ، مع علمك أنه لا يكون غير

--> ( 247 ) آل عمران : 119 ( 248 ) الكشاف ج 1 ص 313 . ( 249 ) آل عمران : 88 ( 250 ) الكشاف ج 1 ص 351 . ( 251 ) يونس : 88