محمد محمد أبو موسى
37
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وعلينا أن نذكر أن التطبيقات في الدرس البلاغي ليست أمرا هينا ، لأنها هي حياته ونماؤه ، وتتركز فيها قدرة البليغ ومهارته ، فقواعد البلاغة وأصولها يمكن أن تجمع في صفحات ، والمهم هو التطبيق والنظر المتثبت في النص المدروس وتحليل تركيبه ، وابراز محاسن صياغته ، ودلالات خصوصياته . والذي يعين على ذلك الحس المرهف ، والذوق المتمرس البصير ، وهذا التحليل المبنى على التذوق هو أصح المناهج وأقومها في دراسة البلاغة ، فإذا تخلف الذوق كانت أصولا علمية شاحبة كما هي في كتاب المفتاح ، وإذا تخلفت القدرة على التحليل والتفسير كانت ضربا من التحكمات الشخصية . تدفع بها إلى متاهات غير منضبطة ، وليس التطبيق في مسائل البلاغة كالتطبيق في مسائل النحو والعروض ، وذلك لأنه يسهل على النحوي أن يطبق فكرا وأصولا نحوية على نص يدرسه ، ويصعب على البلاغي أن يطبق أصولا بلاغية على نص يدرسه ، وتحديد المراد من الخصائص البلاغية لا يتأتى الا بالحس الأدبي ، ولهذا كان تذوق النص الأدبي جزءا من منهج الدراسة البلاغية ، ولهذا أشار عبد القاهر والزمخشري حين ذكرا الطبع المتهيئ ، والقريحة الوقادة . ولذلك نقول إن استعمال كلمة التطبيق في الدراسة البلاغية ، تستحق من الأهمية أكثر مما تستحق إذا استعملت في الدراسة النحوية ، لأنها تعنى هنا التفسير والتحليل والشرح . وهذا شئ له خطورته في دراسة الشعر والأدب . ولهذا أقول إن تطبيقات الزمخشري في كشافه لبعض الأصول البلاغية المقررة في زمانه يمكن أن تعتبر من إضافاته ما دام يضفى عليها من حسه وذوقه . وشئ آخر في هذه التطبيقات يعطيها أهمية وأصالة ، ذلك أن هذه الأصول البلاغية التي قررها عبد القاهر كانت كأنها منكورة أو قلقة بين معاصريه ، ولذلك كان يشكو كثيرا من جهل الناس بما يقول ، وعجزهم عن استيعابه وتمثله ، فأتاحت تطبيقات الزمخشري لها قوة ومكانة ، وثبتتها في البيئة العلمية ، وأظهرت قدرتها على تحديد المزايا البلاغية لأسلوب القرآن في صورة دقيقة