محمد محمد أبو موسى

365

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

واحد ، فإذا ادعينا أن الأداة مجاز في احدى هذه المعاني فما موقفنا من غيرها ؟ وهل يمكن أن نقول إنها نقلت من معناه الأصلي إلى هذه المعاني مجتمعة ؟ الواقع أن اللفظ في المجاز ينقل من معناه إلى معنى آخر لا إلى جملة معان ، وقد أدرك هذا بعض القدماء وأشاروا اليه ، يقول الشهاب تعليقا على قول البيضاوي المختصر من كلام الزمخشري في قوله تعالى : « أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى » « 214 » يقول : « قوله تقرير لهم مع انكار واستبعاد سبق أن التقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الاقرار ، والانكار يكون بمعنى التكذيب وأنه لم يقع ، وبمعنى أنه لا ينبغي وقوعه والمراد هنا أنه تثبيت وتسجيل له وأنه مما لا يليق ، وفيه جمع بين معاني الاستفهام وهي معان مجازية لا يجمع بينها وأن في ذلك التجوز خفاء حتى قيل إنه لم يحم أحد حوله وأنه من أي أنواعه وقد حققه السيد الشريف قدس سره في حمله الا أن يقال إنه يستعمل في أحد هذه المعاني وغيره مأخوذ من السياق فليتأول » « 215 » وهذا الجواب الذي ذكره للخروج من هذا الحرج مرفوض لأنه لا يفهم من كلام الزمخشري . وقد فكرت فيما قال هؤلاء المدققون فلم أجد في نفسي اقتناعا به ، ولا قبولا له ، وأحسب أنهم أنفسهم غير مقتنعين به ، ولا متقبلين له ، وقد ذكر العلامة عبد الحكيم وجوها من الاحتمالات قد يكون أحدها أقرب من غيره أو أقل اغرابا منها ، قال عبد الحكيم : « انه قد يراد منها تلك المعاني بطريق الكناية ، وقد تراد بطريق أنها من مستتبعات التراكيب كما تراد بطريق المجاز » « 216 » وهذا التردد دليل على غموض وجه هذه الدلالة وعلى عدم اقتناعه بواحدة منها وان كان أولاها اعتبار أنها من مستتبعات التراكيب وان كان القول به لا يسلم من ورود اعتراض عليه . والزمخشري أكثر تحررا في بحثه من المتأخرين لا يقف عند الكلمة

--> ( 214 ) الأنعام : 19 ( 215 ) حاشية الشهاب ج 4 ص 37 . ( 216 ) تقرير الشمس الانبابى ج 3 ص 148 .