محمد محمد أبو موسى
356
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وهذه التحقيق صورة من البحث البلاغي الذي استغرقه النظر العقلي وهو كلام لا نستطيع انكاره ، لأنه يقوم على النظر والمنطق ، وما يقوم على هذين يصعب ابطاله ، ولكننا مطمئنون إلى أن لدراسة اللغة وفهم الأساليب منطقا آخر ، وهذا المنطق كما أتصوره هو منطق الاحساس والفطرة ، هو ما يتبادر إلى الذهن عند سماع التعبير ، وعليه عوّل سعد الدين في هذه المناقشة حين قال : والتعويل على القرائن ، اما أن يكون الكلام قد روعى فيه القيد أولا ثم نفى ، فيكون النفي منصبا على القيد ، أو أنه نفى ثم قيد فيكون لتقييد النفي لا لنفى التقييد ، فهذه أمور لا يراعيها الناس في انشائهم ، ولا تخطر بخيال متكلم ، وما أشبه هذا بقول من قال : ان قولنا : ضرب زيد ، فيه مجازا لأن الضارب يده ، وقولنا : ضربت عمرا ، فيه مجازا ، لأنك تضرب يده أو رأسه لا كله ، كل هذه ملاحظات قد يستجيب لها المنطق ولكنها تكلف في دراسة الأساليب . أما البحث الثاني من مباحث الاستفهام فهو بحث يتعلق ببيان المعاني التي تفيدها أداة الاستفهام مما هو غير معناه الحقيقي . وواضح أن الاستفهام بمعناه الأصلي لا يقع في كلام رب العزة لأن إحاطة علمه شاملة ، ولهذا كثر حديث الزمخشري عن المعاني التي تفهم من صورة الاستفهام . نعم قد يقع الاستفهام الحقيقي في القرآن حين يحكى مواقف أو يفصل مقاولات . والمهم أن أكثر أساليب الاستفهام في الكتاب العزيز جاءت لغير المعنى الحقيقي للاستفهام . فالاستفهام قد يفيد تفخيم شأن المستفهم عنه كما في قوله تعالى : « عَمَّ يَتَساءَلُونَ » « 159 » ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن كأنه قال : عن أي شئ يتساءلون ، ونحوه « ما » في قولك : زيد ما زيد ؟ ، جعلته لانقطاع قرينه ، وعدم نظيره ، كأنه شئ خفى عليك جنسه ، فأنت تسأل عن جنسه ، وتفحص عن جوهره ، كما تقول : ما الغول ؟ وما العنقاء ؟ تريد أي شئ هو من الأشياء ، هذا أصله ثم جرد للعبارة عن التفخيم ،
--> ( 159 ) النبأ : 1