محمد محمد أبو موسى
338
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يَأْكُلُونَ » « 64 » ، وفي قوله تعالى : « وَالْأَنْعامَ خَلَقَها ، لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ » « 65 » فالأكل محصور في الحب لأنه هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الانس ، وإذا قل جاء القحط ، ووقع الضر ، ، واذن فقد جاء الهلاك ونزل البلاء « 66 » والأكل محصور في الأنعام ، لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمد عليه الناس في معايشهم ، وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري مجرى التفكه « 67 » ويشير إلى أن القصر في هذه الآية يحتمل أن يكون قصرا حقيقيا على معنى « ان طعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر فالحب والثمار التي تأكلونها منها وتكتسبون باكراء الإبل وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها » « 68 » . ويلحظ الزمخشري أن القرآن قد يخالف السنن العربي الفصيح لسر بلاغى حين يقدم الظرف الذي هو لغو ، ويجتهد في بيان هذا السر ، يقول في قوله تعالى : « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » « 69 » : « فان قلت : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه فما باله مقدما في أفصح كلام وأعربه ؟ قلت : هذا الكلام انما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه ، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان لذلك أهم شئ وأحقه بالتقديم وأحراه » « 70 » . وقد يقدم المتعلق في آية ويؤخر في أخرى ، وفي هذا تظهر براعة الزمخشري في بيان ما يقتضيه كل مقام ، وكيف طابق كل بناء مقتضاه يقول في قوله تعالى : « لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
--> ( 64 ) يس : 33 ( 65 ) النحل : 5 ( 66 ) الكشاف ج 4 ص 11 ( 67 ) الكشاف ج 2 ص 462 ( 68 ) نفس المرجع السابق . ( 69 ) الاخلاص : 4 ( 70 ) الكشاف ج 4 ص 654