محمد محمد أبو موسى
335
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
قلت : كيف طابق قوله « وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ » قولهم « آمَنَّا بِاللَّهِ » والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ؟ قلت : القصد إلى انكار ما ادعوه ونعيه ، فسلك في ذلك طريقا أدى إلى الغرض المطلوب ، وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره ، وهو اخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين ، لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الايمان ، وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة ، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا اثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع ، ونحوه قوله تعالى : « يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها » « 49 » هو أبلغ من قولك : يخرجون منها » « 50 » وقد لحظ الشهاب الخفاجي أن ربط الزمخشري بين الصورتين يدل دلالة قاطعة على أن هذه الصورة لا تفيد الاختصاص ، ونسب هذا أيضا إلى الفاضلين في شرح الكشاف ورد كثيرا من التفاسير التي ذهبت بكلام الزمخشري مذهب الاختصاص . على أن وجه دلالة هذا التركيب على التأكيد قد استنفدت جهدا كبيرا من الشراح وأقحموها في باب الكناية الإيمائية وكان قول الزمخشري : « وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة فقد انطوى . . . . الخ » موطنا خصبا للحديث في دلالة اللازم والملزوم . وقد أفاض سعد الدين في هذا المجال وذكر مسألة هو مشغوف بها وهي « نفى التأكيد وتأكيد النفي » وفي كل هذا ملاحظات ذهنية فذة ، الا أننا لا نجد لها صلة بالبحث البلاغي « 51 » . والمهم أن الزمخشري لم يأخذ بالاختصاص في هذه الآية مع عدم صلتها بأمور النحلة ولم يأخذ كذلك به في قوله تعالى : « وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ » « 52 » .
--> ( 49 ) المائدة : 37 ( 50 ) الكشاف ج 1 ص 42 . ( 51 ) ينظر حاشية الشهاب ج 4 ص 308 . ( 52 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 331 - والآية من سورة ق : 45