محمد محمد أبو موسى
318
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد يفيد التنكير معنى التكثير ، والزمخشري يبين وجه هذه الدلالة وكيف يكون التنكير وهو في الأصل دال على الوحدة مفيدا لمعنى التكثير . يقول في قوله تعالى : « عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ » « 307 » : « فان قلت : كل نفس تعلم ما أحضرت كقوله تعالى : « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً » « 308 » ، لا نفس واحدة ، فما معنى قوله « عَلِمَتْ نَفْسٌ » ؟ قلت : هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الافراط فيما يعكس عنه ، ومنه قوله عز وجل : « رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ » « 309 » ومعناه « كم » ، وأبلغ منه قول القائل : « قد أترك القرن مصفرّا أنامله « وتقول لبعض قواد العساكر : كم عندك من الفرسان ؟ فيقول : رب فارس عندي ، أو : لا تعدم عندي فارسا ، وعنده المقانب وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه ولكنه أراد اظهار براءته من التزيد وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلا أن يتزيد فجاء بلفظ التقليل ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين » « 310 » ويكرر هذا في قوله تعالى : « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ » « 311 » : « فيجوز أن يكون المراد بها بعض الأنفس ، وهي نفس الكافر ، أو أن يراد بها نفس متميزة بلجاج في الكفر ، أو أن يراد التكثير ، كما قال الأعشى : وربّ بقيع لو هتفت بحوّه * أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا ، ونظيره : رب بلد قطعت ، ورب بطل قارعت ، وقد اختلس الطعنة ، ولا يقصد الا التكثير » « 312 » وقد يفيد التنكير معنى قلة الالتفات ، وأن المنكر أمر تائه يغفل الناس عنه ، ولا يلتفتون اليه ، يقول في قوله تعالى : « هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى
--> ( 307 ) التكوير : 14 ( 308 ) آل عمران : 30 ( 309 ) الحجر : 2 ( 310 ) الكشاف ج 4 ص 566 - 567 . ( 311 ) الزمر : 56 ( 312 ) الكشاف ج 4 ص 105