محمد محمد أبو موسى
295
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
« أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ » « 160 » : أدخل « قد » ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد ، وذلك أن « قد » إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى التكثير في نحو قوله : فان تمس مهجور الفناء فربّما * أقام به بعد الوفود وفود ونحو قول زهير : أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله وتتكرر هذه الفكرة في قوله تعالى : « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ » « 161 » . يقول : « قد - في « قد نعلم » بمعنى « ربما » الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته كقوله : أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله « 162 » ويشرح معنى التقليل في « ربما » إذا كانت مستعملة في مقام التكثير كما في قوله تعالى : « رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ » « 163 » . يقول في هذه الآية : « فان قلت : فما معنى التقليل ؟ قلت : هو وارد على مذهب العرب في قولهم : لعلك ستندم على فعلك ، وربما ندم الانسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك ألا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من المتيقن ومن القليل منه كما من الكثير ، وكذلك المعنى في الآية : لو كانوا يودون الاسلام مرة واحدة فبالحري أن يسارعوا اليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة » « 164 » .
--> ( 160 ) النور : 64 ( 161 ) الأنعام : 33 ( 162 ) الكشاف ج 2 ص 13 . ( 163 ) الحجر : 2 ( 164 ) الكشاف ج 2 ص 443 ، 444