محمد محمد أبو موسى

262

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

[ ملاءمة الكلمة لسياقها من حيث مادتها : ] أما دراسته لمادة الكلمة وملاءمتها لسياقها فقد اجتهد الزمخشري في ربط مدلول الكلمة بسياقها حتى تكون ملائمة له على أحسن وجه من وجوه الملاءمة ، يقول في قوله تعالى : « مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ » « 1 » : « فان قلت : كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة ؟ قلت : للثناء البليغ على الخاشى وهو خشيته مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأنه خاش مع أن المخشى منه غائب ونحوه : « الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » « 2 » فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات » « 3 » . فكلمة « الرحمن » لا تتلاءم في الظاهر مع الخشية وانما يكون التلاؤم ظاهرا لو قال : من خشي الجبار أو القهار ، ولكن الزمخشري يدرك وراء هذا التباعد الظاهري تقاربا خفيا ملائما أشد الملاءمة وأحسنها ومثل هذا ما يذكره في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » « 4 » يقول : « فان قلت : ما معنى قوله « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » وكيف طابق الوصف بالكرم انكار الاغترار به ؟ وانما يغتر بالكريم كما يروى عن علي رضى اللّه عنه أنه صاح بغلام له كرات فلم يلبه ، فنظر فإذا هو بالباب فقال له : مالك لم تجبنى ؟ فقال : لثقتى بحلمك ، وأمنى من عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه ، وقالوا : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ؟ قلت : معناه : أن حق الانسان ألا يغتر بتكرم اللّه عليه حيث خلقه حيا لينفعه ويتفضل عليه بذلك حتى يطمع بعد ما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب ، وطرح العقاب اغترارا بالتفضل الأول فإنه منكر خارج عن حد الحكمة ، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما تلاها : « غره جهله » « 5 » . وقد يعمد القرآن إلى اثبات المعنى بنفي ضده ، ويقف الزمخشري عند هذا اللون ليكشف أن للفظ إشاراته الخفية التي هي جزء من المعنى

--> ( 1 ) سورة ق : 33 ( 2 ) المؤمنون : 60 ( 3 ) الكشاف ج 4 ص 309 - 310 ( 4 ) الانفطار : 6 ( 5 ) الكشاف ج 4 ص 517