محمد محمد أبو موسى
26
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وآن هذا جاء فقط في ثلاثة مواضع في قوله تعالى : « إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً » « 7 » ، فبين واو « كَوْكَباً » وياء « رَأَيْتُ » ثمانية أحرف كلها متحركات . . . وأن يدركوا - مثلا - أنه لم يجتمع في القرآن حاءان متتاليتان الا في آيتين : الأولى قوله تعالى في سورة البقرة : « عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى » « 8 » والثانية في سورة الكهف : « لا أَبْرَحُ حَتَّى » « 9 » وليس في القرآن كافان في كلمة واحدة لا حرف بينهما الا في موضعين : في البقرة : « مَناسِكَكُمْ » وفي المدثر : « ما سَلَكَكُمْ » . ومما يذهب بجلال العلم في النفوس أن نقرأ مثل هذا من غير أن نفكر في الجهد المبذول فيه ، والذي انتهى إلى هذه النتائج ، ولم يكن هذا التدقيق البالغ في الشكل اللغوي الا وسيلة من وسائل التدقيق الأكثر في النظر إلى المعاني . وهب أننا قرأنا « قفا نبك » قراءة تستوعب خصوصياتها وصورها وخواطرها وعلاقاتها حتى تصل إلى عد حروف المعجم فيها وما تجاور منها مما كثر تجاوره وما قل منها تجاوره ، وهكذا تستوعب أصوات حروفها مقطعا مقطعا ، وحركة حركة ، وتختبر وتبلو وتتذوق كل نغمة ، وكل نبرة ، وكل خاطرة ، وكل فكرة ، هل ترى كلامنا فيها بعد هذا يكون من نوع ما نصفه بها الآن في كتبنا من تلك الأوصاف العامة التي تنطبق على غيرها كما تنطبق عليها ؟ أم ترى أن هذا الدرس المستقصى والمستوعب والمستقرى الذي يعد الأحوال واحدة واحدة ويضع اليد عليها ويقول هذا هذا ، سوف ينتهى بنا لا محالة إلى طريقة أخرى نتناول بها هذا الشعر ؟ ثم إن طريقة التقصي والاستقراء وتفلية الكلام كلمة كلمة وحرفا حرفا وحركة حركة ، لم تكن طريقة علمائنا وهم يدرسون القرآن فحسب وانما قامت علوم العربية كلها عليه سواء في ذلك النحو والتصريف والبلاغة .
--> ( 7 ) يوسف : 4 ( 8 ) البقرة : 235 ( 9 ) الكهف : 60