محمد محمد أبو موسى
238
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يقول في قوله تعالى : « فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ » « 4 » : فان قلت : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ قلت : السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة عن قوله : « وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ » « 5 » على معنى يشمئزون عند ذكر اللّه ويستبشرون بذكر الآلهة فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره ، وما بينها من الآي اعتراض . فان قلت : حق الاعتراض بأن يؤكد المعترض بينه وبينه ؟ قلت : ما في الاعتراض من دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ربه بأمر منه وقوله : « أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ » « 6 » ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد لانكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى اللّه في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل : قل يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة ويرتكبون مثل هذا المنكر الا أنت ، وقوله : « وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا » « 7 » متناول لهم ولكل ظالم ان جعل مطلقا أو إياهم خاصة ان عنيتهم به كأنه قيل : ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به حين أحكم عليهم بسوء العذاب ، وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها الا علم النظم والا بقيت محتجبة في أكمامها . ( الكشاف ج 1 ص 104 ) . فعلم النظم هنا يبين صلة معاني الجمل المعترضة بالكلام الذي وقعت معترضة فيه . فالتسبيب بين آية « وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ » وآية « فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ » واضح وان اعترضت بينهما هذه الجمل الطويلة لأن الاعتراض تأكيد الكلام وتقريره فهو جزء منه مرتبط به . ومثل هذا البحث الذي يكون موضوعه علاقة الجمل المعترضة وجلاء هذه العلاقة حتى يظهر اتحاد الجمل والتئام بعضها ببعض وتخصيص هذا البحث بعلم النظم ، وأنه لا يطيق هذا البحث الا من ارتاض بهذا العلم وتدرب على ذوق هذا النمط من التعبير الذي تتداخل
--> ( 4 ) الزمر : 49 ( 5 ) الزمر : 45 ( 6 ) الزمر : 46 ( 7 ) الزمر : 47