محمد محمد أبو موسى
230
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
من هذه الصورة ما ذكره الفراء في صور المشاكلة . يقول : فان قال قائل « أرأيت قوله : « فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » « 291 » : أعدوان هو وقد أباحه اللّه لهم ؟ قلت : ليس بعدوان في المعنى انما هو لفظ على مثل ما سبق قبله ، ألا ترى أنه قال : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ » « 292 » فالعدوان من المشركين في اللفظ ظلم في المعنى ، والعدوان الذي أباحه اللّه وأمر به المسلمين انما هو قصاص فلا يكون القصاص ظلما وان كان لفظه واحدا ، ومثله قوله تبارك وتعالى : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » « 293 » وليست من اللّه على مثل معناها من المسئ لأنها جزاء « 294 » وهذا قريب جدا مما قاله المتأخرون وليس بيان هذه الطريقة في حاجة إلى أكثر من هذا ، اللهم الا أن يوضع في قالب علمي محدد ، ثم اننا لو قسناه بإشارات الفراء في مسائل النظم والبيان لوجدنا كلامه هنا يسبق إشاراته هناك سبقا بينا وذلك راجع إلى ما قلته . وقد أشار ابن قتيبة إلى صور المشاكلة أيضا في باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه وفي باب الاستعارة . يقول في الباب الأول : « ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان نحو قوله تعالى « إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » « 295 » ، أي يجازيهم جزاء الاستهزاء ، وكذلك : « سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ » « 296 » ، و « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » « 297 » ، و « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » « 298 » ، هي من المبتدأ سيئة ومن اللّه عز وجل جزاء ، وقوله : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » « 299 »
--> ( 291 ) البقرة : 193 ( 292 ) البقرة : 194 ( 293 ) الشورى : 40 ( 294 ) معاني القرآن ص 116 ، 117 ( 295 ) البقرة : 14 ، 15 ( 296 ) التوبة : 79 ( 297 ) آل عمران : 54 ( 298 ) الشورى : 40 ( 299 ) البقرة : 194