محمد محمد أبو موسى
206
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ثم أخذ عبد القاهر يذكر أقسام الاستعارة بادئا بأقرب هذه الأقسام إلى الأصل - أعنى الحقيقة - فذكر استعارة الطيران للعدو لأن كلا منهما جنس واحد ، ومثله استعارة التمزيق والتقطيع للتفريق ، ثم ذكر الضرب الثاني الذي لا يكون فيه المستعار من جنس المستعار له بل هما جنسان الا أن بينهما وصفا مشتركا كاستعارة الشمس للانسان المتهلل الوجه في قولك : رأيت شمسا ، ثم ذكر الضرب الثالث الذي هو الصميم الخالص من الاستعارة وحده أن يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية وذلك كاستعارة النور للعلم . وهذه الأقسام الثلاثة لا تجرى الا في الاستعارة التصريحية كما هو واضح من الأمثلة « 227 » وقد كرر عبد القاهر الفرق بين طريقة الاستعارة التصريحية والمكنية فقد ذكر في دلائل الاعجاز « أن الاستعارة : أن تريد تشبيه الشيء بالشئ فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجىء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه ، تريد أن تقول : رأيت رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء . فتدع ذلك وتقول : رأيت أسدا ، وضرب آخر من الاستعارة وهو ما كان نحو قوله : إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ، هذا الضرب وان كان الناس يضمونه إلى الأول حيث يذكرون الاستعارة فليسا سواء ، وذلك أنك في الأول تجعل الشيء ليس به ، وفي الضرب الثاني تجعل للشيء الشيء ليس له » « 228 » ثم بين عبد القاهر أن جعل الشيء للشيء ليس له يكون ثمرة تشبيه ما جعل الشيء له بما هو له في الحقيقة أي تشبيه الشمال التي جعلت لها اليد بالمدبر المصرف . يقول عبد القاهر : ليس لك أكثر من أن تخيل إلى نفسك أن الشمال في تصريف الغداة ، على حكم طبيعتها كالمدبر المصرف لما زمامه بيده
--> ( 227 ) ينظر أسرار البلاغة ص 37 - 47 . ( 228 ) دلائل الاعجاز ص 45 .