محمد محمد أبو موسى

197

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

كأن مثار النّقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وقول المتنبي : يزور الأعادى في سماء عجاجة * أسنّته في جانبيها الكواكب وقول كلثوم بن عمرو العتابي : تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم * سقفا كواكبه البيض المباتير ثم فضل بيت بشار وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره ، وهو أن جعل الكواكب تهاوى فأتم الشبه وعبر عن هيئة السيوف وقد سلّت من الأغماد . وهي تعلو وترسب . وتجىء وتذهب ، ولم يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران ، وكان لهذه الزيادة التي زادها حظ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل ، وذلك أنا وان قلنا إن هذه الزيادة - وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها - انما أتت في جملة لا تفصيل فيها ، فان حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة ، وذلك أن نعلم أن لها في حال احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب اضطرابا سديدا وحركات بسرعة ثم إن لتلك الحركات جهات مختلفة وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض ، وأن السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل وتقع بعضها في بعض ويصدم بعضها بعضا ، فقد نظم هذه الدقائق كلها في نفسه ثم أحضرك صورها بلفظة واحدة ونبه عليها بأحسن التنبيه وأكمله بكلمة وهي قوله : « تهاوى كواكبه » « 209 » ولم تعهد الدراسة البلاغية تحليلا كهذا التحليل . ثم يتكلم في التشبيه الواقع في هيئات الحركات وهيئات السكون ، وله في هذا إشارات لطيفة وتنبيهات مستحسنة . وقد لحظ ما يكون لذيوع التشبيه وشيوعه من أثر في اغفال الناس ما بذل فيه من جهد حتى يصير كالمبتذل المشترك ، وحتى يجرى مع

--> ( 209 ) أسرار البلاغة ص 141 .