محمد محمد أبو موسى
192
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد تأثر بهذا عبد القاهر وهو يبين قيمة التمثيل ، وأنك تستطيع أن تأخذ من الشيء الواحد أشباها عدة ، يقول عبد القاهر : « وانه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة ويشتق من الأصل الواحد أغصانا في كل غصن ثمر على حدة نحو أن الزند بايرائه يعطيك شبه الجواد والذكي الفطن وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد ، وباصلادة البخيل الذي لا يعطيك شيئا والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى ، وشبه من يخيب سعيه ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعز والرفعة ويعطيك الكمال عن النقصان والنقصان بعد الكمال كقولهم : هلال نما فعاد بدرا » « 205 » . . إلى آخره ، وكان أوضح عمل لعبد القاهر في باب التشبيه هو تقسيمه إلى تمثيل وتشبيه وجعل التشبيه عاما والتمثيل خاصا فكل تمثيل تشبيه وليس كل تشبيه تمثيلا . فالتمثيل هو ما يكون الشبه فيه محصلا بضرب من التأول ، والتشبيه ما يكون الشبه فيه أمرا بينا لا يحتاج إلى تأول ، والذي أوجب انقسام التشبيه إلى هذين القسمين هو أن الاشتراك قد يكون في الصفة نفسها وقد يكون في حكم لها ، فالشجاع يشارك الأسد في الشجاعة ، والخد يشارك الورد في الحمرة ، والكلام لا يشارك العسل في الحلاوة في قولنا : كلام كالعسل في الحلاوة ، وانما يشاركه في حكم لها وأمر تقتضيه وهو ميل النفس ، ولهذا كان التشبيه أصلا والتمثيل فرعا ، ولأن الاشتراك في الصفة يسبق في التصور الاشتراك في مقتضى الصفة ، كما أن الصفة نفسها مقدمة في الوهم على مقتضاها ، ولأن المتبادر من كلام الناس هو التشبيه الصريح دون التمثيل .
--> ( 205 ) أسرار البلاغة ص 106 ، 107 . وهذه اللفتة يمكن أن نستخرج بها علما نافعا حين نطبقها على دراسة تشبيهات شاعر معين ونحدد العناصر التي استعملها في تشبيهاته ( المشبه به ) ونقف عند كل عنصر لنحدد المعاني التي استخرجها من هذا العنصر ( ينظر مقدمة الطبعة الثانية لكتابنا : دلالات التراكيب ) .