محمد محمد أبو موسى
157
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
فِي أَنْفُسِهِمْ ، ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى » « 100 » أراد عز وجل : أو لم يتفكروا فيعلموا أنه ما خلق ذلك إلا بالحق ، أو لم يتفكروا فيقولوا ، وأشباه هذا كثير ، ومن باب الحذف والاختصار قوله تعالى : « فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ » « 101 » ، وقوله عز وجل : « إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ » « 102 » يفسر ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ، وفي الشعر مثل هذا موجود . قال الشاعر : لو قلت ما في قومها لم تأثم * يفضلها ما في حسب وميسم يريد : أحد يفضلها ، فحذف « أحد » لأن الكلام يدل عليه ذكر ذلك « 103 » . ويشير قدامة بن جعفر إلى فساد الشعر الذي يكون دليل الحذف فيه غامضا ويسميه الاخلال ، وهو عنده من عيوب اللفظ والمعنى ، ومن أمثلته قول عبد اللّه بن عتبة بن مسعود : أعاذل عاجل ما أشتهي * أحبّ من الأكثر الرّائث فإنما أراد أن يقول : عاجل ما أشتهي مع القلة أحب إلى من الأكثر المبطئ ، فترك « من القلة » وبه يتم المعنى ، ومثل ذلك قول عروة بن الورد : عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم * ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا فإنما أراد أن يقول : عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم ومقتلهم عند الوغى أعذر ، فترك « في السلم » ، ومن هذا الجنس قول الحارث ابن حلزة : والعيش خير في ظلا * ل النّوك ممن عاش كدّا
--> ( 100 ) الروم : 8 ( 101 ) آل عمران : 106 ( 102 ) الاسراء : 75 ( 103 ) الموازنة ص 169 ، 170