محمد محمد أبو موسى

130

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

باللّه ربّك إن دخلت فقل لها * هذا ابن هرمة قائما بالباب ما كذا قلت ، أكنت أتصدق ؟ قال الرجل : فما ذا ؟ قام ابن هرمة واقفا ، ثم قال له : « ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى » . وهذا القول دليل على أن معرفة مواقع الكلمات من أدق المباحث وأخفاها ، وقد كثرت هذه الملاحظات القيمة في الدراسة الأدبية . ثم كان الخطابي الذي جعلها عمود البلاغة في بيان اعجازه ، وأشار إلى أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب ، كالعلم والمعرفة ، والحمد والشكر ، والقعود والجلوس . . إلى آخره . وأن عمود البلاغة هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا بدل مكانه غيره جاء منه اما تبدل المعنى الذي يكون به فساد الكلام واما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة ، ثم أخذ الخطابي يناقش الطاعنين في بلاغة القرآن ، وكانت كثرة من مطاعنهم واردة على هذا الأساس ، من ذلك استعمال الأكل مع الذئب في قوله تعالى : « فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ » « 10 » ، والأنسب كما يقولون : افترسه الذئب ، ومن ذلك استعمال « فاعلين » مع الزكاة في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ » « 11 » ، والأنسب أن يقول : مؤدون ، إلى آخر ما ذكروه وما ذكره ، وقد بين الخطابي ملاءمة هذه الكلمات لمواقعها ، وكان في بيانه بصيرا متذوقا ، وجهوده في هذا الباب من أدق وأجل ما كتب فيه . ثم جاء بعده القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الذي أشار إلى هذه المسألة المهمة في وضع الألفاظ ، وبين أن الأمر فيها صعب ، وأن رجالها قليل « وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام الا أن يكون شعرا أو سجعا ، وليس كذلك فان احدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها ، وتراها في مظانها ، وتجدها

--> ( 10 ) يوسف : 17 ( 11 ) المؤمنون : 4